مقالات

حين تضيق الأرض… تتسع السماء

أحيانًا لا نحتاج إلى إجابةٍ طويلة، ولا إلى شخصٍ يشرح لنا لماذا حدث كل شيء… يكفي أن نرفع رؤوسنا إلى السماء.

حين تضيق الأرض… تتسع السماء

 

أحيانًا لا نحتاج إلى إجابةٍ طويلة، ولا إلى شخصٍ يشرح لنا لماذا حدث كل شيء… يكفي أن نرفع رؤوسنا إلى السماء.

 

هناك، حيث تمتد زرقة لا تعرف الحدود، وتعبر السحب بهدوء، نشعر أن مشكلاتنا مهما كبرت ليست أكبر من رحمة الله.

 

هذه الصورة البسيطة للسماء تحمل معنى أعمق مما يبدو للعين.

سحابة تمر، وأخرى تتشكل، ثم ترحل… والشمس قد تختفي خلف الغيم قليلًا، لكنها لا تنطفئ.

 

وكذلك الحياة.

 

قد تمر بنا أيام نشعر فيها أن كل الأبواب أُغلقت، وأن الطريق أصبح ضيقًا، وأن ما نحمله في قلوبنا أكبر من قدرتنا على الاحتمال.

 

لكن الحقيقة أن الغيمة لا تعني نهاية السماء، والابتلاء لا يعني نهاية الحياة، وتأخر الفرج لا يعني غيابه.

 

قال الله تعالى:

 

> ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ۝ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾

[الشرح: 5-6]

 

 

 

لم يقل الله إن العسر لن يأتي، بل أخبرنا أن اليسر يأتي معه.

 

وهنا يكمن سر الطمأنينة.

 

فالإنسان لا يستطيع أن يعرف ما يحمله الغد، لكنه يستطيع أن يثق بمن يملك الغد.

 

قال تعالى:

 

> ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾

[الطلاق: 3]

 

 

 

كم مرة خاف الإنسان من أمر، ثم اكتشف بعد مرور الأيام أن خوفه كان أكبر من الحقيقة؟

 

وكم مرة بكى على باب ظنه مغلقًا، ثم فتح الله له بابًا لم يكن يخطر له على بال؟

 

نحن كثيرًا ما ننظر إلى اللحظة، بينما الله يعلم الطريق كله.

 

نحن نرى الغيمة… وهو سبحانه يعلم أين ستسقط قطراتها.

 

نحن نرى تأخر الإجابة… وهو يعلم متى يكون العطاء خيرًا لنا.

 

ونحن أحيانًا نظن أن فقدان شيء هو نهاية الطريق، بينما قد يكون ذلك الفقد بداية لطريق أفضل.

 

ولهذا كان التأمل في خلق الله بابًا من أبواب الإيمان.

 

قال سبحانه:

 

> ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾

[آل عمران: 190]

 

 

 

فالسماء ليست مجرد منظر جميل نراه ثم ننساه.

 

إنها تذكير دائم بأن هذا الكون لم يُخلق عبثًا، وأن وراء هذا الجمال خالقًا حكيمًا، وأن الإنسان مهما ضاقت به الدنيا فله ربٌّ يسمع دعاءه ويعلم ضعفه.

 

وفي لحظات الانكسار، ربما يكون أجمل ما تفعله أن تصمت قليلًا، وتبتعد عن ضجيج الحياة، وترفع عينيك إلى السماء.

 

لا تبحث عن معجزة.

 

فقط تأمل…

 

السحب تتحرك.

 

والسماء ثابتة.

 

والنور يعود بعد الظلام.

 

والأرض التي جفّت يأتيها المطر فتحيا.

 

فلماذا تظن أن قلبك لن يحيا من جديد؟

 

قد تتغير الظروف، وقد يبتعد أشخاص، وقد نخسر أشياء أحببناها، وقد تمر علينا أيام ثقيلة لا نعرف كيف نعبرها.

 

لكن لا شيء يدوم على حاله.

 

فلا تجعل يومًا صعبًا يقنعك بأن كل أيامك ستكون صعبة.

 

ولا تجعل خيبةً واحدة تقنعك بأن كل الناس سيخذلونك.

 

ولا تجعل غيمةً عابرة تقنعك بأن الشمس لن تشرق.

 

تذكر دائمًا:

 

حين تضيق الأرض… تتسع السماء.

 

وحين تضيق بك الدنيا، لا تنسَ أن رحمة الله أوسع من كل ما يؤلمك.

 

قال رسول الله ﷺ:

 

> «واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك».

 

 

 

فاطمئن…

 

ليس مطلوبًا منك أن تعرف كل الإجابات.

 

يكفي أن تسير بما تستطيع، وتدعو بما تستطيع، وتعمل بما تستطيع، وتترك ما لا تستطيع لله.

 

فربما كانت هذه الغيمة التي تراها اليوم تحمل في داخلها مطرًا لم يحن موعده بعد.

 

وربما كان وراء هذا الضيق فرج، ووراء هذا الانتظار خير، ووراء هذه الحيرة طريق جديد.

 

ارفع رأسك إلى السماء…

 

فربُّ السماء لا ينسى قلبًا دعاه.

 

 

—

 

بقلم: محمود سعيد برغش

«الكلمة أمانة… والقلم لازم يقول الحقيقة»

زر الذهاب إلى الأعلى