د. معتز صلاح الدين يكتب :
مصر التي يعرفها العالم: الأزهر والأهرامات والفن
هناك لحظات يرى فيها المرء وطنه بعيون الآخرين، فيكتشف أن ما ألفه حتى صار عادياً هو عند غيره دهشة لا تنتهى ومن تلك اللحظات ما شهدته العاصمة الماليزية كوالالمبور منذ أيام خلال المؤتمر الصحفي المشترك بين الرئيس عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم.
لم يتحدث أنور إبراهيم عن مصر بلغة البروتوكول الجافة، بل بلغة من يعرفها ويحبها. قال إن أي ماليزي في الشارع يعرف مصر جيداً، يعرفها منذ عصر الفراعنة وتوت عنخ آمون والاهرامات ، مروراً بزمن جمال عبد الناصر، وصولاً إلى يومنا هذا. وتحدث عن المكانة التي يحتلها الأزهر الشريف وجامع الحسين في قلوب الماليزيين، وعن جامعات الأزهر والقاهرة وعين شمس التي تعلّمت فيها أجيال متعاقبة من أبناء بلاده. ثم توقف عند الفن، فذكر أم كلثوم رمزاً لحضور الثقافة المصرية في وجدان شعبه.
وفي لحظة عفوية تناقلتها وسائل التواصل على نطاق واسع، التفت إلى الرئيس السيسي ممازحاً بأنه نسي أن يذكر له سامية جمال، نجمة الاستعراض والسينما في الزمن الجميل. ضحك الحاضرون، لكن خلف الضحكة حقيقة عميقة: أن رئيس حكومة دولة تبعد عن القاهرة آلاف الأميال يحفظ أسماء نجوم السينما المصرية القديمة، كما يحفظ أسماء الجامعات والمساجد.
وما كادت كلمات أنور إبراهيم تستقر في الذاكرة، حتى جاءت شهادة أخرى من الشرق، تحمل الاسم ذاته: أم كلثوم. ففي لقاء جمعنا بالدكتور طلحة جميل، نائب رئيس البعثة بسفارة جمهورية باكستان الإسلامية بالقاهرة، ضمن زيارة وفد مؤسسة رسالة السلام العالمية للسفارة، فتح الدبلوماسي الباكستاني صفحة من التاريخ لم يطوها الزمن.
روى أن سيدة الغناء العربي وقفت في الرابع من مايو عام 1967 على مسرح سينما قصر النيل بالقاهرة، لتغني قصيدة “حديث الروح” للشاعر والفيلسوف الباكستاني محمد إقبال، بألحان رياض السنباطي. وقبل أن تبدأ الغناء، صعد إلى المسرح سجاد حيدر، سفير باكستان لدى مصر آنذاك، ليشكرها على أنها حملت شعر فيلسوف باكستان إلى الجمهور العربي، وأهداها باقة من الزهور.
ثم لم يقف التقدير عند الزهور. فقد منحها الرئيس الباكستاني محمد أيوب خان وسام “نجمة الامتياز”، وقلّدها إياه السفير سجاد حيدر في الثالث والعشرين من مارس 1968، في احتفال أقيم بمنزله في القاهرة. ومنذ ذلك الحين، كما قال محدّثنا، صار اسم أم كلثوم حاضراً في باكستان حضوراً لافتاً واطلقت آلاف الأسر إسم ام كلثوم على بناتهن
في الحكايتين درس واحد. فالقصيدة التي كتبها إقبال بلغة قومه، ونُقلت إلى العربية، ثم لحّنها مصري وغنّتها مصرية، صارت جسراً بين شعبين. والأفلام التي صُوّرت في استوديوهات القاهرة قبل عقود عبرت المحيطات لتستقر في ذاكرة الماليزيين، حتى صار رئيس وزرائهم يستدعي أسماء نجومها في مؤتمر رسمي. لم يحتج ذلك إلى معاهدة ولا إلى مذكرة تفاهم، بل إلى صوت صادق وصورة جميلة تخاطب الروح.
وحين يتذكر رئيس وزراء ماليزي ام كلثوم، ويذكر دبلوماسي باكستاني رفيع تفاصيل ليلة غنّت فيها أم كلثوم بتواريخها وأسمائها، فنحن أمام برهان على أن القوة الناعمة ليست شعاراً، بل رصيد حقيقي تراكمه الأمم عبر الزمن، ويبقى حياً في ذاكرة الشعوب بعد أن يرحل صانعوه.
إن ما قاله أنور إبراهيم، وما رواه الدكتور طلحة جميل، يلتقيان عند حقيقة واحدة: أن مكانة مصر في العالم لم تُبنَ بالسياسة وحدها، بل بثلاثية متكاملة؛ دين يقدّم الإسلام في صورته الوسطية من خلال الأزهر، وحضارة تحمل ذاكرة الإنسانية منذ الفراعنة، وفن يحمل وجدان الأمة إلى الآخرين.
وهي ثلاثية لا تتجزأ. فالأزهر بلا فن قد يُرى جموداً، والفن بلا جذور روحية قد يُرى خفة، والحضارة بلا حاضر حيّ تتحول إلى متحف. أما حين تجتمع الثلاثة، فإن مصر تصبح ما رآه فيها الماليزي والباكستاني: وطناً يُحَبّ قبل أن يُزار.
ومن هذا المنطلق تعمل مؤسسة رسالة السلام العالمية، التي أسسها المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي، على مدّ جسور الحوار مع الشعوب والمؤسسات، إيماناً بأن الكلمة الصادقة والقيم الإنسانية المشتركة أبقى أثراً من أي خطاب رسمي. وقد كان لقاؤنا في السفارة الباكستانية تأكيداً لهذا المعنى؛ إذ انطلق الحديث من أغنية، وانتهى إلى البحث في تعاون ثقافي وفكري وأكاديمي بين المؤسسة والجانب الباكستاني.
إن مصر لا تحتاج إلى من يعرّف بها، بقدر ما تحتاج إلى من يحافظ على أسباب حبّ العالم لها. فالأزهر والأهرام والفن ليست ماضياً نتغنى به، بل أمانة نحملها، ورسالة ينبغي أن تستمر.








