مقالات

من عبور الأرض إلى عبور العقل.. مسؤولية الدولة والنخبة والمجتمع

بقلم: د. غادة محفوظ
خبيرة التنمية الاجتماعية وقضايا الوعي المجتمعي
ليست كل المعارك التي تخوضها الدول تُحسم على خطوط المواجهة، وليست كل الانتصارات التي تصنع مستقبل الأمم تُقاس بما تسترده من أرض؛ فثمة معارك أكثر تعقيدًا، تدور في العقول، وتتشكّل في الوجدان، وتنعكس نتائجها على قدرة المجتمع على فهم تاريخه، وإدراك حاضره، وصناعة مستقبله.
من هنا، يمكن قراءة الرسائل التي حملتها كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية الرابعة والأربعين للقوات المسلحة، بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، باعتبارها مدخلًا إلى قضية تتجاوز الاحتفاء بذكرى وطنية خالدة، لتطرح سؤالًا جوهريًا حول علاقة الذاكرة الوطنية بالأمن القومي، ودور الوعي في حماية المجتمع من التضليل والاضطراب.
إن استدعاء أكتوبر في هذا السياق لا ينبغي أن يظل محصورًا في استعادة مشاهد العبور والبطولة والتضحية، على عظمتها؛ وإنما يجب أن يمتد إلى استيعاب المنهج الذي صنع النصر: التخطيط، والاستعداد، والعلم، وتكامل الأدوار، والقدرة على تحويل التحديات إلى فرص للفعل التاريخي.
فالأمم لا تحيا على أمجادها وحدها، بل على قدرتها على تحويل تلك الأمجاد إلى وعي متجدد يحكم سلوكها واختياراتها.
الذاكرة الوطنية.. ما وراء التاريخ
حين تُطرح قضية حماية الذاكرة الوطنية من التشويه والتضليل، فإننا نكون أمام أحد أهم مكونات بناء الدولة؛ فالذاكرة ليست مجرد سجل للأحداث الماضية، بل عنصر من عناصر تشكيل الهوية، ومصدر لفهم التجارب التي مر بها المجتمع، وأداة تساعد الأجيال الجديدة على إدراك العلاقة بين القرارات ونتائجها.
غير أن حماية الذاكرة الوطنية لا تتحقق بترديد الروايات التاريخية فحسب، وإنما بتقديم التاريخ الموثق للأجيال، وإتاحة المعرفة الدقيقة، وتعليم الشباب كيف يميزون بين الوقائع والتفسيرات، وبين الاختلاف المشروع ومحاولات التضليل المتعمد.
وهنا تظهر مسؤولية المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في بناء مواطن لا يكتفي بتلقي المعلومة، بل يمتلك القدرة على فحصها وفهم سياقها ومراجعة مصادرها.
فالمجتمع الذي لا يمتلك أدوات قراءة تاريخه يصبح أكثر عرضة لتشويش حاضره، والمجتمع الذي يفتقر إلى التفكير النقدي قد تتحول فيه المعلومة المضللة إلى موقف، والموقف إلى سلوك، والسلوك إلى ظاهرة اجتماعية يصعب احتواء آثارها.
من أمن الحدود إلى أمن العقول
لقد ارتبط مفهوم الأمن القومي طويلًا بحماية الحدود، وصيانة السيادة، والحفاظ على مقدرات الدولة. وهذه ركائز لا غنى عنها، لكن التحولات المتسارعة في وسائل الاتصال والإعلام أضافت إلى معادلة الأمن تحديات تتعلق بتدفق المعلومات، والتأثير في اتجاهات الرأي العام، وقدرة الشائعات على الانتشار في زمن قصير.
ولم تعد خطورة الشائعة مرتبطة بمحتواها وحده، بل بقدرتها على استثمار القلق الاجتماعي، أو ضعف الثقة، أو غياب المعلومات، أو الرغبة في تصديق ما يتفق مع المواقف المسبقة.
ومن منظور التنمية الاجتماعية، لا يكفي أن نسأل: من نشر الشائعة؟ بل ينبغي أن نسأل أيضًا: لماذا وجدت بيئة تسمح بانتشارها؟ وما الذي يجعل بعض المتلقين يصدقونها دون تحقق؟ وهل تصل المعلومات الصحيحة إلى الناس في الوقت المناسب، وباللغة التي يفهمونها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تنقلنا من التعامل مع الشائعة باعتبارها مشكلة إعلامية عابرة، إلى فهمها بوصفها ظاهرة لها أسباب معرفية ونفسية واجتماعية، وتحتاج إلى معالجة متعددة المستويات.
وهنا يصبح الوعي جزءًا من الأمن القومي؛ لا باعتباره شعارًا، وإنما باعتباره قدرة مجتمعية على التحقق، والفهم، وضبط الانفعال، وتحمل المسؤولية عن الكلمة والمعلومة.
الدولة والمجتمع.. معادلة المسؤولية المشتركة
إن حماية الدولة ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، كما أن بناء الوعي لا يمكن أن يُترك للإعلام وحده. فالمدرسة تصنع جانبًا من طريقة تفكير الأجيال، والأسرة تؤسس منظومة القيم، والجامعة توسع آفاق المعرفة، والإعلام يساهم في تشكيل الرأي العام، والمؤسسات الثقافية والدينية والمدنية تؤثر في منظومة المعنى والانتماء.
لكن تكامل هذه الأدوار يتطلب أكثر من تنسيق شكلي؛ إنه يحتاج إلى مشروع واضح، تتحدد فيه الأهداف، وتتوزع المسؤوليات، وتُقاس النتائج.
فإذا أردنا تحصين الشباب من التضليل، فعلينا أن نمنحهم أدوات التحقق من المعلومات. وإذا أردنا حماية الهوية الوطنية، فعلينا أن نربطها بالمعرفة بتاريخ الوطن وتنوع خبراته وإنجازات أبنائه. وإذا أردنا ترسيخ الانتماء، فعلينا أن نجعل المواطن شريكًا في البناء، يشعر بقيمة دوره، ويدرك أن المسؤولية الوطنية تقترن بالعمل والإنتاج واحترام القانون والمشاركة الإيجابية.
فالانتماء لا يُختزل في العاطفة، وإن كانت العاطفة أحد روافده؛ بل يتجسد في سلوك يومي يحترم المصلحة العامة، ويحمي الممتلكات، ويرفض التحريض، ويصون كرامة الآخرين، ويقبل الاختلاف في إطار المسؤولية الوطنية.
مسؤولية النخبة.. هل نكتفي بتفسير الأزمة؟
هنا تبرز مسؤولية النخبة السياسية والفكرية والثقافية، وهي مسؤولية لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسات التنفيذية؛ لأن النخبة ليست مجرد ناقل للرسائل العامة، بل يفترض أن تكون قادرة على تفسير التحولات، وطرح الأسئلة الصحيحة، وتقديم رؤى تساعد المجتمع على فهم تعقيداته.
إن دور المثقف لا يقتصر على التحذير من المخاطر، كما أن دور السياسي لا ينبغي أن ينتهي عند تشخيص التحديات. فالمجتمع يحتاج إلى خطاب يشرح، ويقنع، ويفتح مسارات للفعل، ويحول القضايا الكبرى إلى حلول قابلة للتطبيق.
ومن الخطأ أن نتعامل مع كل اختلاف في الرأي باعتباره تهديدًا، كما أن من الخطأ أن نترك المجال العام للمعلومات غير الموثقة أو حملات التشويه. فالفارق كبير بين الاختلاف الذي يثري النقاش العام، والتضليل الذي يتعمد إفساد القدرة على الفهم واتخاذ القرار.
إن بناء الوعي يحتاج إلى مساحة للمعرفة والحوار المسؤول، وإلى مؤسسات تتمتع بالمصداقية، وإلى إعلام لا يكتفي بسرعة النشر، بل يتحمل مسؤولية الدقة والتفسير.
فالثقة المجتمعية لا تُبنى بالمطالبة بها، وإنما تتعزز بالشفافية، واتساق الرسائل مع الوقائع، والقدرة على الاستماع إلى أسئلة المواطنين ومخاوفهم.
الوعي والتنمية.. الوجه الآخر للأمن القومي
ومن واقع قراءة الظواهر الاجتماعية، لا يمكن فصل الوعي عن الظروف التي يعيشها المواطن. فالتحديات الاقتصادية والاجتماعية، وضغوط الحياة اليومية، والفجوة بين التوقعات والواقع، كلها عوامل تؤثر في استعداد الأفراد لتلقي المعلومات وتفسيرها والتفاعل معها.
وهذا لا يعني أن الضغوط تبرر التضليل أو تبرئ من يتعمد نشره، بل يعني أن المواجهة الفعالة ينبغي أن تجمع بين التصدي للمعلومات الكاذبة، ومعالجة البيئات التي تساعد على انتشارها.
فالتنمية ليست مجرد مشروعات تُقام، وإنما عملية تتعلق أيضًا ببناء الإنسان، وتنمية قدرته على التفكير والعمل والمشاركة، وتعزيز إحساسه بالمسؤولية تجاه مجتمعه.
ومن هنا، فإن الاستثمار في التعليم والثقافة والتربية الإعلامية والحوار المجتمعي ليس نشاطًا تكميليًا، بل جزء من بناء القدرة الوطنية على مواجهة الأزمات.
وكلما ارتفعت قدرة المواطن على الفهم والتحقق، تراجعت فرص استغلاله بالمعلومة المضللة، وأصبح أكثر قدرة على اتخاذ قرارات رشيدة، سواء في حياته الخاصة أو في المجال العام

زر الذهاب إلى الأعلى