“القضاة ثلاثة” قاضيان في النار وقاضي في الجنه
الفهم القاصر بعيدا عن مقاصدها الحقيقية
كتب / عادل محمود
يحمل التراث الإسلامي في ثناياه الكثير من النصوص والأثار التي وُضعت أصلاً لتقويم السلوك البشري وترسيخ القيم العليا.
ومع ذلك، قد تتعرض بعض هذه النصوص لـ التفسير الخاطئ أو الفهم القاصر بعيداً عن مقاصدها الحقيقية.
ومن أبرز تلك النصوص المقولة المأخوذة من الحديث الشريف “القضاة ثلاثة:
قاضيان في النار وقاضي في الجنة”
حيث يُساء فهمها غالباً لتصبح هجوماً عاماً على مهنة القضاء أو ترهيباً مطلقاً يجانب الصواب.
ينزلق البعض عند قراءة هذا النص إلى تفسير متشائم ومتطرف، مفاده أن مهنة القضاء أو الحكم بين الناس هي باب محتم إلى الهلاك، وكأن نسبة النجاة فيها ضئيلة للغاية (واحد في المرة مقابل اثنين في النار).
يؤدي هذا الفهم إلى نظرة سوداوية تجاه كل من يتولى منصب القضاء، والافتراض المسبق بفساده أو ظلمه.
قد يتسبب هذا التفسير في عزوف الكفاءات النزيهة عن تولي مناصب القضاء خوفاً، مما يترك الساحة لمن لا يستحقها، وهو عكس ما أراده الشارع تماماً.
القراءة الصحيحة والعميقة للحديث
لفهم المقصد الحقيقي، يجب العودة إلى تفصيل الحديث نفسه وما تبعه من تصنيف للحالات بناءً على النية، والعلم، والعمل بالميزان الحق، وليس بسبب مجرد تولي المنصب.
القاضي الأول (في الجنة):
هو رجل عرف الحق فقضى به.
فهو يجمع بين العلم الشرعي أو القانوني الرصين، والنزاهة والعدل في التطبيق.
القاضيان (في النار):
رجل عرف الحق فقضى بخلافه. وهو عالم بالحق ولكنه جار وظلم متعمداً لهوى أو رشوة أو مصلحة (قاضي الهوى والفساد).
رجل قضى للناس على جهل.
وهو من تجرأ على تولي القضاء دون علم أو أهلية، فأضل الناس وأهلك حقوقهم بجهله (قاضي الجهل والجرأة).
إذن المعيار ليس المنصب بحد ذاته، بل العلم، والنزاهة، وقصد وجه الحق.
العدالة مسؤولية لا ترف
لا يقتصر مفهوم “القضاء” على منصة المحاكم فحسب، بل يمتد ليشمل كل من يتولى أمراً يحكم فيه بين الناس؛ كالمديرين، والمشرفين، والمحكمين، وحتى الآباء والأمهات في إدارة شؤون أسرهم.
الحكم على الآخرين دون بيّنة أو علم كافٍ هو نوع من “القضاء بجهل” وهو مدعاة للظلم.
الانحياز الشخصي أو المجاملة على حساب الحق يمثل انحرافاً خطيراً عن مسار العدالة.
إن مقولة “قاضيان في النار وقاضي في الجنة” ليست دعوة لليأس ولا إدانة لمهنة القضاء، بل هي جرس إنذار دائم لكل من بيده سلطة الحكم بين البشر.
إنها تذكير بأن العدالة أمانة ثقيلة تتطلب علماً راسخاً وضميراً حياً ونزاهة لا تقبل المساومة.
وحين يُفهم النص بهذا العمق، يتحول من أداة ترهيب إلى بوصلة أخلاقية ترشد أصحاب القرار نحو طريق الحق والإنصاف.








