. أمراض التقييمات تدمر الطفولة
وجيه الصقار
نظم التقييمان والامتحانات كل يوم للأطفال ، تصنف علميا أنها “أدوات إرهاب نفسي وصحى” تترك بصمات عميقة مدمرةً لأجسام الأطفال وعقولهم. هذا ماكشفته دراسة لأستاذ صحة نفسية، بأن التحليل الطبي والنفسي كشف عن إصابات بالأمراض التي تسببها التقييمات، من الاضطرابات النفسية والعصبية والضغط والقلق المزمن، الطفل يعيش في حالة تأهب واستنفار عصبي دائم، خوفاً من الامتحان القادم أو من “الدرجة”، مما يبقي جهازه العصبي مشدوداً طوال الوقت. فيصاب باكتئاب الطفولة والمراهقة نتيجة الشعور المستمر بالعجز، وإحساسه بتدني الكفاءة الذاتية، واعتبار أى نقصان في الدرجات فشلاً شخصياً، وهنا يعانى من متلازمة الاحتراق النفسي المبكر واستنزاف الطاقة العاطفية، ويجعله متبلداً، فاقداً للشغف، عاجزا عن التفاعل الإيجابي مع الحياة، يعقبها إصابته بأمراض جسدية نفسية من ضغط مزمن والاستجابة للتوتر (المحور الوطائي–النخامي–الكظري) وتظهر فى أعراض عضوية حقيقية مؤلمة مثل الصداع النصفي المزمن والضغط العصبي المستمر وقلة النوم. وتتواكب معها اضطرابات الجهاز الهضمي الوظيفي والقولون العصبي، آلام البطن المتكررة، التقلصات، والغثيان الصباحي المرتبط بالذهاب إلى المدرسة الكئيبة أو الامتحان. كما يترتب عليها انهيار المناعة ويتعرض الطفل المتوتر للعدوى والأمراض نتيجة إفراز هرمونات التوتر (مثل الكورتيزول) الذى يثبط جهاز المناعة. مع اضطرابات النوم والخلل المعرفي والأرق والحرمان المزمن من النوم، لإنجاز المهام أو المذاكرة القسرية، مما يحرم الدماغ من الدخول في مراحل النوم العميق اللازمة لإصلاح الخلايا وتثبيت الذاكرة.
وتمتد أمراض التقييمات إلى ضعف الانتباه المستمر، والتشتت وضياع التركيز، والنسيان المتكرر، وبطء معالجة المخ؛ وقتل القدرات بدلا من قياسها، تمتد الحالة المزمنة إلى النعاس نهارا فى المدرسة والإجهاد المزمن ودخول الطفل في حلقة مفرغة من الإرهاق الجسدي الذي يعيقه حتى النمو الطبيعى أو الفهم فى داخل خارج الفصل.
وتظهر على الطفل اضطرابات سلوكية وانفعالية مثل نوبات الغضب السريع والتهيج نتيجة الضغط المتراكم في صورة عصبية مفرطة، وتنتابه نوبات بكاء حادة لأسباب تافهة ظاهرياً، وتقلبات مزاجية سريعة. وينكفئ على نفسه، ويتجنب المشاركة الصفية أو التفاعل مع الزملاء والأسرة خوفاً من النقد أو المقارنة المرتبطة بالتحصيل.
إن نظم التقييمات العقيمة لا تطبق فى أى مكان فى العالم لأنها غير تربوية، وتأتى بنتائح سلبية على الجهازه العصبي وتعرضه للإرهاب النفسي. ولذلك فإن إصلاح التعليم يبدأ حتماً بإنقاذ أجساد الأطفال وعقولهم من هذه الأمراض المصطنعة، وإعادة الاعتبار للمدرسة بيئة نمو طبيعية ومتعة تعليمية وأمان ليس تدميرا وعذابا.
فإذا نظرنا إلى دولة فنلندا نجد نموذجاً مختلفاً فلا توجد اختبارات موحدة في المرحلتين الابتدائية والإعدادية؛ ويعتمد التقييم على المعلم بالمتابعة المستمرة والتقييم النهائي. وتوضح هيئة التعليم الفنلندية، ووفقاً لنتائج الدراسات بلغ متوسط الوقت الذي يفيد الطلاب في الواجبات نحو ساعة و24 دقيقة فى اليوم وليس 10 ساعات كما يحدث فى مصر، فإن زيادة الوقت ليست ضمانًا لزيادة التعلم بل العكس صحيح ، إن نظام التقييمات غير علمى أو تربوى يدمر الطفولة يدمرها نفسياً واجتماعياً مما يتطلب التدخل الفورى من القيادة لإنقاذ الجيل من هذا العبث ..








