ليست كل السرقات متساوية
بقلم/ نجوى نصر الدين
في نظر بعض البشر، فهناك من يُطارد لأنه سرق شيئًا صغيرًا، وهناك من يُحاط بالحراسة لأنه يمتلك نفوذًا كبيرًا!
في المجتمعات التي تختل فيها موازين العدالة، قد تجد لصًا صغيرًا يركض في الشوارع هربًا من أعين الناس والشرطة، وتُحرَّر ضده المحاضر، وتُفتح له ملفات التحقيق، ويُقدَّم باعتباره خطرًا يهدد أمن المجتمع.
وفي المقابل، قد تجد صاحب نفوذ تحيط به الحراسات، وتُفتح له الأبواب، وتُفرش له السجادات، وتُقدَّم له الألقاب، بينما تظل الأسئلة الصعبة بعيدة عن متناول الجميع!
الأول قد يسرق رغيفًا ليسد جوعه، فيُحاسَب على فعلته، أما الثاني، إذا استغل منصبه أو نفوذه للاستيلاء على حقوق الآخرين، فقد يجد من يدافع عنه، ومن يبرر له، ومن يحاول تجميل صورته!
الأول تلاحقه الكاميرات، والثاني قد تحجبه عنها البروتوكولات!
الأول يُوصم بالسرقة، والثاني قد يُقدَّم في صورة رجل أعمال ناجح أو شخصية مهمة، وكأن المكانة الاجتماعية قادرة على تغيير حقيقة الأفعال!
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة: أن تتحول العدالة من ميزان يُقاس به الفعل إلى مرآة تعكس مكانة صاحبه!
فالجريمة لا تصبح أقل خطورة لأن مرتكبها يرتدي بدلة أنيقة، ولا يصبح الاعتداء على حقوق الناس إنجازًا لأن صاحبه يجلس خلف مكتب فخم أو يحمل لقبًا كبيرًا.
فالسرقة سرقة، والفساد فساد، والحقوق لا تتغير قيمتها بتغير من يعتدي عليها.
ولا يعني ذلك أن نبرر السرقة الصغيرة أو نتجاهل ظروفها، فالقانون يجب أن يحمي المجتمع ويصون حقوق الجميع، لكنه يجب أيضًا أن يطبق بمعيار واحد، دون تمييز بين قوي وضعيف، أو صاحب نفوذ ومواطن بسيط.
إن أخطر ما يمكن أن يتعلمه الناس من ازدواجية المعايير هو أن الخطأ ليس في الفعل، بل في حجم صاحبه، وأن المشكلة ليست في الاعتداء على الحقوق، بل في أن يكون المعتدي بلا نفوذ يحميه!
وهذه رسالة خطيرة تهدم الثقة في المؤسسات، وتضعف احترام القانون، وتزرع الإحباط في نفوس من ينتظرون الإنصاف.
فالعدالة الحقيقية لا تنحني أمام المناصب، ولا ترتبك أمام النفوذ، ولا تقيس الجريمة بحجم الجاني، بل بمدى ثبوت الفعل واستحقاق المساءلة.
وفي النهاية، لا قيمة لقانون يُطبَّق على الضعيف ويتعثر أمام القوي، ولا معنى للحديث عن دولة المؤسسات إذا لم يكن الجميع أمام القانون سواء.
فليس العيب أن تكون لصًّا صغيرًا أو كبيرًا فحسب، بل أن يصبح حجم النفوذ أهم من حجم الجريمة، وأن تتحول العدالة من حق للجميع إلى امتياز للبعض!
فالحقوق قد تتأخر، والحقيقة قد تُحاصر، لكن غياب الإنصاف لا يجعل الظلم عدلًا، ولا يمنح الباطل شرعية مهما طال الزمن.
إن قيمة الأوطان ليست فيمن يملكونها، بل في عدالة تحمي حقوق أهلها.








