محافظات

كيف تحولت من إنسان إلى محتوى مجاني؟

كيف تحولت من إنسان إلى محتوى مجاني؟

 

 

بقلم: عبد المجيد عبوبي

 

نعتقد واهمين أننا نمسك بهواتفنا، والحقيقة أن هذه الشاشات هي التي تمسك برقابنا. لقد تنازل الإنسان الحديث، بكامل إرادته، عن فطرته وطبيعته، ليتحول إلى مجرد “مستهلك مغفل” في سيرك تكنولوجي كبير لقرصنة الانتباه.

عجزك عن الجلوس أمام البحر، أو تأمل غروب الشمس دون الرغبة القهرية في التقاط هاتفك لتصوير اللحظة، دليل قاطع على أنك لم تعد قادراً على العيش في الواقع. لقد تم استبدال جهازك العصبي بخوارزمية خبيثة تتغذى على قلقك، وتقتات على رغبتك في نيل إعجاب وهمي من أشخاص لا يكترثون لأمرك أساساً.

المفارقة المضحكة، أنك تدفع ثمن الهاتف من قوت يومك، لتسير كالعبد وتعمل كـ “صانع محتوى” مجاني لشركات التكنولوجيا. كل ثانية تمنحها للشاشة تزيدهم ملياراً، وتزيدك أنت فقراً في مشاعرك، وتشتتاً في ذهنك، وانفصالاً عن الطبيعة.

أنت لا تعيش اللحظة، أنت فقط توثقها لتثبت للآخرين أنك سعيد. لقد سُرقت منك متعة المشي تحت المطر والإنصات لصوت الصمت، لأن عقلك المخدر بالدوبامين أصبح يرى الطبيعة الحقيقية “مملة” ما لم تكن مصحوبة بـ “فلتر”.

لقد تحولنا إلى كائنات مشوهة: أجسادنا في الطبيعة، وعقولنا معلقة في غيمة إلكترونية. وإذا لم تستيقظ الآن وتخرج من هذا السيرك، ستكتشف فجأة أنك عشت حياة افتراضية بالكامل، لكنك مت ميتة حقيقية جداً، دون أن تختبر معنى أن تكون بشراً لدقيقة واحدة.

زر الذهاب إلى الأعلى