في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتزايد فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، أصبح من الغريب أن تستحوذ خلافات المشاهير ومشاحنات منصات التواصل الاجتماعي على مساحة واسعة من اهتمام الناس، بينما تتراجع القضايا التي تمس حياتهم ومستقبل أبنائهم إلى الصفوف الخلفية.
نستيقظ على تريند جديد، وننام على خلاف قديم، وبينهما عشرات المقاطع والتعليقات والمعارك الافتراضية التي تستهلك الوقت والطاقة، دون أن تضيف إلى حياتنا معرفة حقيقية أو تقدم حلولًا لمشكلاتنا اليومية.
وهنا لا بد أن نسأل أنفسنا: هل أصبحنا نملك وسائل التواصل، أم أصبحت هي التي تملك أوقاتنا وتوجه اهتماماتنا؟
أولًا: الهروب من الواقع أم صناعة واقع بديل؟
لا يمكن إنكار أن ضغوط الحياة أصبحت ثقيلة على كثير من الناس؛ فغلاء المعيشة، والالتزامات الأسرية، والقلق على المستقبل، والأخبار المتلاحقة عن الحروب والتوترات، كلها أمور تدفع الإنسان أحيانًا إلى البحث عن متنفس يبتعد به قليلًا عن همومه.
وهنا تأتي منصات التواصل بما تقدمه من محتوى سريع ومتنوع، يمنح المتابع لحظات من التسلية وربما النسيان المؤقت. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول هذا المتنفس إلى عالم بديل نعيش داخله، ونمنحه ساعات من أعمارنا، بينما تتراكم مسؤولياتنا وقضايانا الحقيقية دون اهتمام.
والشريعة الإسلامية لا تمنع الإنسان من الترويح عن نفسه، بل تقر بأن للنفس حقًا، وأن الاعتدال مطلوب. وفي حديث حنظلة رضي الله عنه، حين شكا تغير حاله بين مجالسة النبي ﷺ والعودة إلى أهله وأعماله، قال له النبي ﷺ: «يا حنظلة، ساعةً وساعة»، رواه مسلم.
وهذا ليس إذنًا بإهدار الوقت، بل تذكير بأن الحياة تحتاج إلى توازن بين العبادة والعمل والراحة، دون أن يطغى جانب على آخر.
ثانيًا: الوقت أمانة.. والعمر رأس مال الإنسان
من أخطر ما نفقده أمام الشاشات هو الوقت، والوقت في ميزان الإسلام ليس أمرًا هامشيًا، بل نعمة عظيمة سيُسأل عنها الإنسان.
«نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ»، رواه البخاري.
تأملوا هذا الحديث؛ فقد جعل النبي ﷺ الصحة والفراغ من النعم التي يغفل كثير من الناس عن قيمتها. فكم من ساعة تمر في متابعة خلاف لا يعنينا، كان يمكن أن نستثمرها في عمل نافع، أو صلة رحم، أو تعلم، أو عبادة، أو حتى راحة حقيقية تعيد إلينا نشاطنا؟
وقال الحسن البصري رحمه الله في معنى اغتنام العمر: إنما الإنسان أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضه. وهي كلمة تذكرنا بأن أعمارنا ليست مخزنًا مفتوحًا للوقت الضائع، بل أيام تنقص ولا تعود.
ثالثًا: لا تتبع ما لا تعلم.. ولا تنشر كل ما تسمع
من أخطر الظواهر التي صاحبت الانتشار الرقمي سرعة تداول الأخبار والشائعات، دون تحقق من صحتها أو معرفة بمصدرها.
وقد وضع القرآن الكريم قاعدة واضحة في هذا الأمر، فقال الله تعالى:
ولم يكتفِ الإسلام بدعوتنا إلى التثبت، بل حذرنا من نقل كل ما نسمع. قال رسول الله ﷺ:
«كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع»، رواه مسلم في مقدمة صحيحه.
وهذا الحديث يضع مسؤولية كبيرة على كل من يشارك خبرًا أو مقطعًا أو اتهامًا؛ فليس كل ما يصل إلى الهاتف حقيقة، وليس كل ما يثير الغضب يستحق النشر.
إن ضغطة زر واحدة قد تنقل شائعة، أو تظلم إنسانًا، أو تسيء إلى أسرة، وقد تكون سببًا في نشر باطل لا يستطيع صاحبه إصلاح أثره بسهولة.
رابعًا: أعراض الناس ليست مادة للترفيه
تحولت بعض المنصات إلى ساحات مفتوحة للسخرية والتشهير والخوض في الخصوصيات، وأصبح البعض يتابع الخلافات الشخصية وكأنها حلقات مسلسل، يضحك لهذا، وينتصر لذاك، وينتظر الرد التالي.
لكن القرآن الكريم حسم هذا الأمر بوضوح، فقال الله تعالى:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت»، متفق عليه.
فكيف يرضى إنسان أن يجعل من أعراض الآخرين وسيلة للضحك وجمع المشاهدات؟ وكيف يتحول التشهير إلى تسلية، والغيبة إلى مادة للنقاش اليومي؟
إن المسلم لا يُطالب بأن يشارك في كل نقاش، ولا أن يبدي رأيه في كل شخص، بل من كمال إسلام المرء أن يترك ما لا يعنيه.
قال رسول الله ﷺ:
«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، حديث رواه الترمذي، وحسنه عدد من أهل العلم.
وقد شرح الإمام ابن رجب الحنبلي رحمه الله هذا الحديث في كتابه جامع العلوم والحكم، وبيّن أن ترك ما لا يعني الإنسان من علامات حسن إسلامه وكمال أدبه.
خامسًا: ماذا تعلمنا من الصحابة والتابعين والعلماء؟
لم يكن الصحابة رضي الله عنهم ينظرون إلى العمر باعتباره أيامًا تمر فحسب، بل كانوا يرون فيه مسؤولية واستعدادًا للقاء الله.
وقد رُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله:
«حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا».
والمعنى الذي تحمله هذه الكلمة عظيم: أن يراجع الإنسان نفسه، وأعماله، وما قدمه من خير، بدلًا من أن يستغرق في تتبع عيوب الآخرين وأخبارهم.
وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوجه الناس إلى قيمة العمل والاستعداد للآخرة، ومن كلماته المشهورة:
«ارتحلت الدنيا مدبرة، وارتحلت الآخرة مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا»، وهي كلمة منسوبة إليه في كتب الزهد والرقائق.
أما الإمام الغزالي رحمه الله، فقد أفرد في كتابه إحياء علوم الدين حديثًا مطولًا عن آفات اللسان، ومنها الكذب والغيبة والنميمة والجدال المذموم؛ وهي آفات لم تختفِ في عصرنا، وإنما انتقلت إلى مساحة أوسع بفعل وسائل التواصل.
ويؤكد الإمام النووي رحمه الله في شرحه للأحاديث المتعلقة بحفظ اللسان أن الكلام قد يكون واجبًا أو مستحبًا أو محرمًا بحسب مضمونه وآثاره، وأن السكوت عن الشر خير من الخوض فيه.
ومن هنا نفهم أن استخدام التكنولوجيا ليس في ذاته خيرًا أو شرًا؛ إنما تتحدد قيمته بما نفعله من خلالها، وبما يترتب على أفعالنا من آثار.
سادسًا: الخوارزميات لا تعفينا من المسؤولية
تعتمد منصات التواصل على خوارزميات ترصد تفاعل المستخدمين، وتتعلم من اهتماماتهم، ثم تقترح عليهم محتوى مشابهًا لما يشاهدونه ويتفاعلون معه.
ولهذا قد ينتشر مقطع مثير للجدل أسرع من تقرير يناقش مشكلة تعليمية أو اقتصادية، وقد تتحول مشادة شخصية إلى قضية تشغل آلاف الحسابات، لا لأنها الأهم، بل لأنها قادرة على جذب المشاهدات والتعليقات وإثارة الانفعالات.
لكن المسؤولية لا تقع على الخوارزميات وحدها؛ فالمستخدم أيضًا يشارك في صناعة ما يتصدر المشهد، وكل مشاهدة أو مشاركة أو تعليق يمنح المحتوى فرصة أكبر للانتشار.
فإذا كنا نشتكي من تصدر التفاهة، فعلينا أن نسأل أنفسنا: هل نكتفي بانتقادها، أم نساهم أحيانًا في انتشارها؟
سابعًا: حين يصبح التافه حديث المجتمع
الأخطر من انتشار المحتوى السطحي هو أن يتحول إلى معيار للاهتمام العام. نجد أنفسنا نعرف تفاصيل خلافات لا تخصنا، ونحفظ أسماء أشخاص لا تربطنا بهم علاقة، ونتابع ردودًا على ردود، بينما لا نعرف ما يكفي عن مشكلات التعليم، أو فرص العمل، أو الخدمات الصحية، أو التحديات التي تواجه أسرنا ومجتمعاتنا.
وهنا لا نتحدث عن منع الترفيه أو مصادرة حق الناس في الضحك والاستمتاع؛ فالإنسان يحتاج إلى الراحة، وليس مطلوبًا منه أن يعيش طوال الوقت منشغلًا بالأزمات.
لكن هناك فرقًا كبيرًا بين أن نستخدم الترفيه لنستريح، وأن نسمح له بأن يبتلع وعينا ووقتنا.
ثامنًا: استعادة الوعي تبدأ من الاختيار
لسنا مطالبين بمقاطعة وسائل التواصل، ولا بإغلاق هواتفنا، ولكننا بحاجة إلى أن نستعيد حقنا في الاختيار: ماذا نشاهد؟ ولماذا نتابعه؟ وكم من الوقت يستحقه؟
علينا أن نمنح القضايا الجادة مساحة من اهتمامنا، وأن نتحقق من الأخبار قبل نشرها، وألا نشارك في تضخيم الشائعات أو تحويل الخلافات الشخصية إلى معارك عامة.
ولنجعل من وسائل التواصل وسيلة للعلم والعمل والتواصل النافع، لا بابًا للغيبة وإهدار العمر. ولنخصص وقتًا لأسرنا، وصحتنا، وعبادتنا، وقراءة ما ينفعنا، وخدمة مجتمعنا.
فالإسلام لا يدعونا إلى الانعزال عن الحياة، بل إلى عمارتها بالعمل الصالح، وحفظ الحقوق، وإتقان المسؤوليات.
الخاتمة: قبل أن نلوم الشاشات.. فلنراجع أنفسنا
ليست المشكلة أن هناك من يصنع التريند، فهذه طبيعة عالم رقمي قائم على التنافس على الانتباه، ولكن المشكلة الحقيقية أن نفقد القدرة على التمييز بين ما يستحق اهتمامنا وما يستهلكه بلا فائدة.
الأوطان لا تتقدم بكثرة التعليقات، والأسر لا تستقر بمتابعة خلافات الآخرين، والإنسان لا يبني مستقبله وهو يراقب حياة غيره طوال الوقت.
لقد علمنا القرآن أن نتثبت قبل أن ننقل، وأن نحفظ ألسنتنا، وأن نبتعد عن السخرية والغيبة. وعلمتنا السنة أن الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس، وأن من حسن إسلام المرء ترك ما لا يعنيه.
فلنمنح الشاشات حجمها الطبيعي، ولنستعد وقتنا ووعينا؛ فالعمر الذي يمر لا يعود، والكلمة التي تخرج لا يمكن دائمًا استرداد أثرها، والعمل الذي نؤجله قد لا نجد له غدًا.
ولعل السؤال الذي يجب أن يطرحه كل واحد منا على نفسه قبل أن يفتح هاتفه: هل ما أتابعه الآن يضيف إلى حياتي شيئًا، أم يسرق منها يومًا جديدًا؟