د. محمد غاني، كاتب، المغرب
في يومي العاشر والحادي عشر من أكتوبر 2026، احتضنت الرباط، بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية، الدورة السابعة من مهرجان الآداب المرتحلة، تحت شعار دال هو العالم بأقلام نسائية. وقد اجتمعت في هذه الدورة ثلاثون كاتبة قدمن من آفاق جغرافية وثقافية متباعدة، من المغرب والجزائر وتونس وفلسطين وسوريا ولبنان وموريتانيا، ومن فرنسا وسويسرا وإسبانيا وكندا والكاميرون وغيرها، فبدا المهرجان كأنه مائدة كبرى تلتقي حولها اللغات والذاكرات والتجارب، وتتحدث فيها الكتابة بصوت المرأة عن الإنسان كله.
وقد جاء هذا الموعد في سنة تحمل فيها الرباط صفة عاصمة عالمية للكتاب، فازداد المهرجان بذلك وقعا ومعنى، إذ صار جزءا من حركة ثقافية أوسع تعيد للكتاب مكانته في المدينة وفي الوعي العام.
مهرجان يرتحل ليقترب من القارئ
تأسس مهرجان الآداب المرتحلة سنة 2017، وقام على فكرة بسيطة في ظاهرها عميقة في أثرها، وهي أن الأدب لا ينبغي أن يبقى حبيس القاعات والنخب، بل يجب أن يخرج إلى القراء حيث هم. ومن هنا جاء وصف الارتحال، فقد تنقلت دوراته بين مدن مغربية عدة، منها سلا والدار البيضاء وفاس ومراكش وطنجة، قبل أن تستقر دورته الأخيرة في العاصمة. وتوقف المهرجان فترة بسبب الجائحة، ثم عاد وواصل مسيرته، وهو ما يشهد على صلابة الفكرة وعلى إصرار القائمين عليه.
ولا يقتصر المهرجان على اللقاءات والندوات، فهو يمد جسور الكتاب نحو فضاءات غير تقليدية، ويهتم بالناشئة والأطفال، ويعمل مع جمعية الآداب المرتحلة على مبادرات ميدانية تقرب الكتاب ممن يحتاجون إليه، ومنها الذهاب بالكتب إلى المؤسسات السجنية. وفي ذلك كله ما يؤكد أن القراءة حق إنساني، وأن الثقافة جسر للكرامة وللاندماج، لا ترف يخص فئة دون أخرى.
نادية السالمي: ناشرة ومؤسسة ومديرة
يرتبط اسم المهرجان ارتباطا وثيقا باسم الأستاذة نادية السالمي، الناشرة المغربية وصاحبة دار يوماد للنشر، وهي التي بادرت إلى تأسيسه، وما زالت تديره وتحمل همه عاما بعد عام. وتجمع في تجربتها بين معرفة دقيقة بدواليب النشر وإكراهاته، وبين إيمان صادق برسالة الكتاب، وهو ما يجعل المهرجان في صورته الحالية ثمرة تراكم من العمل والمثابرة، لا حدثا عابرا.
وقد أبانت السالمي، في حديثها عن هذه الدورة، عن وعي واضح بتحديات المشهد الثقافي. فهي تعترف بأن حضور الكاتب العربي في المهرجانات العالمية لا يزال محدودا مقارنة بحضور نظيره الأجنبي، وتفسر ذلك بصعوبات الترجمة والتوزيع وضعف التواصل بين الناشرين. ولذلك حرصت على أن يكون المهرجان فضاء يلتقي فيه الكاتب العربي بنظرائه من العالم، وأن يتعرف القارئ المغربي على أصوات جديدة، مع الاحتفاء بالكتابات التي حازت جوائز أدبية رفيعة، لكن دون أن تتحول الجوائز إلى معيار وحيد للقيمة. وإلى جانب ذلك، تؤكد أن العمل في هذا المجال يقوم على الإرادة والالتزام قبل الإمكانات المادية، وأن استمرار المهرجان بإمكانات متواضعة هو في حد ذاته رهان على قوة الفكرة.
لماذا يهم هذا المهرجان اليوم؟
أولا، لأن الكتابة النسائية ليست قضية فئوية، بل هي شرط لاكتمال الرؤية الإنسانية. فالعالم الذي لا يسمع فيه إلا صوت واحد عالم ناقص، وحين تكتب المرأة عن الذاكرة والطفولة والحب والفقد والمدينة والهجرة، فإنها تضيء زوايا ظلت طويلا في الهامش، وتغني الأدب بحساسية خاصة وبنظر دقيق إلى تفاصيل الحياة. وقد جمع المهرجان شاعرات وروائيات وكاتبات للأطفال وكاتبات للمسرح والقصة، فتنوعت الأجناس وتكاملت الأصوات.
وثانيا، لأن المهرجان يجيب عن أزمة القراءة بعمل ملموس. فنحن نعيش زمنا تتزاحم فيه الشاشات وتتسارع فيه الصور، ويتراجع فيه الوقت المخصص للقراءة الهادئة. وفي هذا السياق يعيد المهرجان الاعتبار للقاء الحي بين الكاتب والقارئ، ولقراءة النص بصوت صاحبه، ولحوار يفتح الأسئلة بدل أن يغلقها. وهو يذكرنا بأن الكتاب ما زال قادرا على صناعة المعنى، وأن اللقاء الإنساني حول الكلمة لا تعوضه وسائط التواصل مهما بلغت سرعتها.
وثالثا، لأن المهرجان يرسخ ثقافة الحوار والتعارف. ففي عالم تكثر فيه الضوضاء وتشتد فيه الحاجة إلى لغة مشتركة، تظل الآداب من أنقى الجسور بين الشعوب، إذ تخاطب الإنسان في عمق إنسانيته بعيدا عن الخطابات الجاهزة. وحين تجلس كاتبة من المغرب إلى جانب كاتبة من كندا أو من الكاميرون أو من فرنسا، فإنهما تؤكدان أن التجربة الإنسانية واحدة في جوهرها وإن تنوعت لغاتها وسياقاتها، وأن الاختلاف مصدر غنى لا سبب تباعد. وهذا ما يمنح الدبلوماسية الثقافية للمملكة معناها الحقيقي، ويجعل الرباط في سنة عاصمة الكتاب فضاء مفتوحا للقاء الثقافات.
ورابعا، لأن في المهرجان بعدا تربويا وأخلاقيا لا يخفى. فالكلمة الصادقة أمانة، والأدب الذي يهذب الذوق ويرقق الوجدان ويوسع أفق التأمل يسهم في بناء الإنسان من الداخل، ويقوي فيه معاني الرحمة والاعتدال والانفتاح، وهي المعاني التي يحتاج إليها مجتمعنا اليوم أكثر من أي وقت مضى. ومن هذه الجهة فإن الاستثمار في القراءة والكتابة استثمار في السكينة والوعي والمسؤولية.
خاتمة
إن مهرجان الآداب المرتحلة، في دورته السابعة بالرباط، يقدم نموذجا لمبادرة ثقافية مدنية نجحت في الجمع بين التجذر المحلي والانفتاح الكوني، وبين الاحتفاء بالإبداع والعناية بالقارئ. وهو، بما بناه من ثقة وتراكم، يستحق من المؤسسات والفاعلين في الشأن الثقافي مزيدا من الدعم والمواكبة، ليواصل ارتحاله من مدينة إلى أخرى ومن قارئ إلى قارئ، حاملا رسالته البسيطة والعميقة: أن العالم يتسع حين تكتب كل الأصوات، وأن الكلمة الحرة الراقية ما زالت أصدق وسيلة للقاء بين الناس.
ولعل أجمل ما في هذا المهرجان أنه يذكرنا بأن الأدب، قبل أن يكون صناعة أو منصة، هو لقاء بين القلوب والعقول، وأن النساء الكاتبات، وهن يحملن إلى الرباط تجاربهن ولغاتهن، إنما يحملن إلينا مرآة نرى فيها أنفسنا في أبهى صورة وأصدقها.








