مدينة 15 مايو.. مدينة جميلة تبحث عن تنمية حقيقية
بقلم: ياسر وزيري
تعد مدينة 15 مايو واحدة من أجمل المدن الجديدة تخطيطاً، بشوارعها الواسعة وهوائها النقي ونظامها العمراني المتميز. ولا يمكن إنكار أن هناك جهداً مشكوراً يبذله جهاز المدينة في الفترة الأخيرة، حيث نشهد ثورة حقيقية في ملفات التشجير والإنارة والكهرباء وتطوير بعض الطرق. وهذا جهد يستحق الإشادة.
لكن التنمية الشاملة لا تقاس بملف واحد، فما يتم إنجازه في ملف يتم هدمه بغياب باقي الملفات. ومدينة 15 مايو اليوم تقف أمام خمسة ملفات عاجلة تحتاج إلى قرار جريء.
أولاً: أزمة المواصلات الداخلية.. أزمة الثمانية جنيهات
لا يوجد توك توك في مدينة 15 مايو، وهذه ميزة تحسب للجهاز، لكن البديل القائم أسوأ. فالمواصلات الداخلية تدار بالكامل عبر منظومة عشوائية خاصة تعرف باسم “الدايري”، وهي عبارة عن سيارات ميكروباص خاصة تعمل بلا رقابة ولا خطوط سير معلنة ولا تذاكر.
الأجرة ثمانية جنيهات، والسائق في كثير من الأحيان يأخذ المبلغ ولا يعيد الباقي بحجة عدم وجود فكة، والضحية الأولى لهذا الاستغلال هم الأطفال الصغار المتجهون إلى مدارسهم ودروسهم، الذين لا يستطيعون المطالبة بحقهم.
إن مدينة يسكنها مئات الآلاف لا يمكن أن تدار بهذه العشوائية. نحن لا نطالب بحلول مؤقتة، بل نطالب بمنظومة نقل داخلي حكومية تابعة للدولة، متمثلة في ميني باص حكومي يتبع هيئة النقل العام أو جهاز المدينة، يعمل بتذكرة موحدة وخطوط مرقمة ومواعيد ثابتة، يربط جميع المجاورات من المجاورة الأولى حتى المجاورة السادسة والثلاثين. يجب أن تعود الدولة لإدارة الشارع.
ثانياً: العزلة الخارجية.. أين الموقف الإقليمي؟
تعاني المدينة من عزلة خارجية خانقة. فكيف لمدينة بهذا الحجم لا يوجد بها موقف إقليمي يربطها بعواصم المحافظات؟ لماذا يضطر المواطن للذهاب إلى حلوان أولاً لكي يسافر إلى الفيوم أو بني سويف أو الدقهلية أو الشرقية؟
ولماذا لا يوجد في المدينة خط يربطها بمشروع الأتوبيس الترددي الكهربائي BRT؟ ولماذا لا تتم دراسة جادة لمد خط مترو الأنفاق من حلوان إلى داخل المدينة، أو على الأقل تشغيل خط أتوبيس كهربائي حكومي منتظم يربط المدينة بمحطة مترو حلوان كل عشر دقائق؟ لدينا شبكة طرق واسعة وجميلة لكنها غير مستغلة لعدم وجود خدمة حكومية منتظمة.
ثالثاً: الملف الأخطر.. مهزلة “الأوض”
هذا هو الملف الأكثر إلحاحاً وخطورة، وما يطلق عليه اسم “الحجرة” أو بالعامية “الأوض”. وهي مبان حكومية قديمة عبارة عن غرفة ومرافقها، عفا عليها الزمن، متهالكة ومشرخة، منظرها غير حضاري وغير آدمي على الإطلاق، وشبكات الصرف الصحي بها منفجرة في كل مكان ولا أحد يسأل عنها.
لا يليق في ظل الجمهورية الجديدة أن يظل هذا المشهد موجوداً في قلب مدينة جديدة. المطلوب تحرك فوري من جهاز المدينة لعمل حصر شامل لسكان هذه الأوض، ووضع خطة عاجلة لنقلهم إلى مساكن محترمة وآدمية تليق بالمواطن المصري.
رابعاً: المنظومة الصحية.. مستشفى واحدة لا تكفي
من غير المقبول أن مدينة كاملة بهذا التعداد السكاني لا يوجد بها سوى مستشفى واحدة فقط على اتساعها. أين المنظومة الصحية المتكاملة؟ وأين المستشفيات العامة والتخصصية؟ إن المواطن الذي يمرض ليلاً لا يجد أمامه سوى الذهاب إلى حلوان. هذا الملف يحتاج إلى تدخل عاجل من وزارة الصحة.
خامساً: الجامعات والمستقبل
نحن لا نحتاج إلى جامعة خاصة بمصروفات طائلة لا يقدر عليها إلا القادرون. نحن نحتاج إلى جامعات الشعب. نحتاج إلى فروع للجامعات الحكومية، فرع لجامعة القاهرة وفرع لجامعة حلوان داخل مدينة 15 مايو. لدينا المساحة، ولدينا آلاف الطلاب الذين يسافرون يومياً لساعات طويلة للوصول إلى جامعاتهم. لماذا لا تتحول 15 مايو إلى مدينة جامعية حكومية؟
وأخيراً: أفكار للتنمية
لدينا شمس تسطع اثنتي عشرة ساعة في اليوم، وظهير صحراوي شاسع. لماذا لا نخصص واحداً في المئة فقط من مساحة المدينة لإنشاء محطة للطاقة الشمسية تكون نموذجاً يحتذى به ويعمم على جميع المدن الجديدة؟
ولدينا أزمة أسعار خانقة بسبب غياب المنافسة. نحن لا نريد مولات صغيرة شكلية، بل نريد مجمعات استهلاكية ومولات ضخمة وأسواق جملة حقيقية تابعة للدولة تعمل على خفض الأسعار.
إن مدينة 15 مايو تملك كل مقومات المدينة النموذجية، وما ينقصها هو القرارات الجريئة التي تعيد الدولة بقوة إلى قلب المدينة، وتعيد للمواطن حقه في تنمية حقيقية يشعر بها في حركته وصحته وتعليم أبنائه وسكنه الكريم.








