أدب وثقافةقصص قصيرة

أبو عماد والخيمة. قصة قصيرة بقلم/ حسن بو حسن

أبو عماد والخيمة.

 

بقلم/ حسن بو حسن

– أنا أبو عماد، كبير صنّاع الخيام في البلد.

نظر إلى خيمة من صنع شركته الخاصّة باتت قريبة منه وهو يصيخ السمع إلى قهقهات فرح وانشراح تنبعث من داخلها، متناغمة مع شيء من ترانيم موسيقية ممزوجة بغناء جميل وصوت شجيّ، حيث كان أداء المغني المتناسق مع الزمير والدقّ المنتظم على الطبول يصل إلى مسامعه بوضوح ويجتذبه أكثر وأكثر كلما اقترب منها، شعر أبو عماد أن جزءا من حياته وروحه متعلّق بخصوصيتها وأن أبواب هذه الخيمة ليست محرّمة عليه.

أوقف سيارته الفارهة على بعد أمتار قليلة ودزّ وجهه في باب الخيمة، مجموعة من الشباب بمعدّل عمر الخمسة والعشرين موزعين على جلسات أسفنجية عارية وقطع سجّاد أحمر وأخضر ورماديّ بالية تغطي تربتها الصخرية، اصطدمت نظرته الأولى بشابّ انخفض صوته فجأة ثم توقّف عن الغناء خجلا فطلب منه المتابعة، وآخرون منشغلون بلعبة الورق في إحدى زوايا الخيمة ومثلِهِم منشغلون بلعبة الكيرم في زاوية أخرى توقّفوا أيضا عن اللعب، انسلّ إلى الداخل يوزّع نظراته على الخيمة الممتدّة طويلا بمساحتها الفسيحة وبألوانها الزاهية وتصميمها الجميل، رأى أنه شخص مرحّب به أينما حلّ وأنهم سعداء لقدومه، عرّفهم بنفسه وبمكانته الاجتماعية المرموقة وبوضعه الاقتصاديّ والتجاريّ الراقي وشكرهم كثيرا على استخدامهم منتج الخيمة الذهبية وأشار إليهم بيده إلى سقف الخيمة المزركش وإلى جوانبها زاهية الألوان.

– أحسنتم الاختيار، إنها لنوع الممتاز، مصنّف الدرجة الأولى، قماشها متين ومقاوم للملوحة والرطوبة، وأعمدتها فولاذية تتحدّى العواصف والزلازل، هي فخر الصناعة المحليّة.

أخذ أبو عماد مكانه داخل الخيمة وجلس بأريحية إلى جانبهم يخاطبهم ويتودّد إليهم، شعروا جميعا بالغبطة وهم يستقبلون شخصية بهذا الحجم ويتساوون معها في الحديث والمزاح وفي الجلوس على قطع اسفنجية متواضعة جدا، ظلوا يتابعون حديثه ويبحلقون في شمائله وهيئته وهو يتوسطهم مرتديا البشت العربيّ الأصيل باهظ الثمن، المطرّز بخيوط الزري الذهبية، وشخصان انشغلا بإعداد القهوة وشيء من الطعام المتوفّر لديهم في الخيمة لضيافته.

وفجأة شعروا برياح باردة بدأت تهبّ على البريّة التي اختاروها لرحلتهم الشتائية وهي تتسلّل إليهم داخل الخيمة وتلفح وجوههم ورؤوسهم المكشوفة، قال لهم أبو عماد، تأكّدوا من إحكام النوافذ وإغلاق كلّ المنافذ والأبواب لتكملوا سهرتكم بأمان، فأكّدوا له بأنهم حكماء في اختيارهم لمكان أشبه بالوادي السحيق المطوّق بالتّلال من أربع الجهات وأنهم نصبوا خيمتهم بعد أن ثبّتوا أعمدتها جيدا وغرسوا أوتادها في التربة وراحوا يستريحون في ظلّها النهاريّ ويتسامرون في دفئها الليليّ منذ ما يربو على سبعة أيام.

– شيء ما يحدث خارج الخيمة.

انتابهم الهلع وهم يسمعون هزيز الرياح ويشعرون باشتداد سرعتها وقسوتها عليهم، أداروا وجوههم نحو النوافذ والأبواب التي تدلّى قماشها واستسلم للعاصفة ولزخّات مطر بدأت تسقي الأرض وتغمر السجّاد وقطع الإسفنج، تلعثم أبو عماد وتوقّف عن الحديث وعن مديحه الخيمة وتمجيد صناعتها وهو يشاهد أعمدتها تتقوّس وتتصدّع ثم تنشطر، أصيب بالخرس لمنظر الخيمة وهي تهتزّ وتزحف من مكانها مثل علبة كارتون فارغة يدفعها الهواء، والأرض تميد من تحت أوتادها ثم تسقط فوق رؤوسهم، تطايروا من أمكنة جلوسهم وتزاحموا أمام المدخل الرئيسيّ طلبا للنجاة، سقط معظمهم في برك الماء التي تجمّعت سريعا، وأبو عماد يتخلّص من عقاله وغترته وحذائه ويرمي بشته الناعم خلفه، يشلّح ما تبقّى عليه من ثياب، يقفز مثل أرنب مرعوب ولكنه يتعثّر ويسقط في وحل من الطين، يستغيث، يتأوّه، يطلب النجدة، ينادي بأعلى صوته مثل امرأة جزعة، يحسّ لأول مرة بحاجته إلى مساعدة الآخرين وهم يتبادلون معه الصراخ والعويل ويلوّحون له بالهرب إلى خارج الخيمة.

بانت أجزاء كثيرة من جسده كانت في السابق مغطاة ومستورة عن أنظار الناس، شعر بأنه يفقد الكثير من عزته ووجاهته وأحدهم يسحبه من رجليه وينزع عنه سرواله المبلّل، أسرّ إليه بأن الطين يذوب في الماء وعليه أن يتحمّل قليلا ويصبر حتى لو سقطت منه قطرات حياء، قال له “ابتهل إلى خالقك واطلب منه أن ينجيكم عنا، إنّك في خطر، مهدّد بالموت، الأعمدة المهشّمة سقطت فوق رأسك، تكاد أن تدفنك تحت خيمتك الذهبية، لم تعد يا أبا عماد تجلس فوق عرش من الديباج، أرجوك أرخِ جسدك وساعدني على تخليصك ونجاتك”.

سأل أبو عماد نفسه وهو يستعيد لذّة الحياة من جديد خارج الخيمة المستوية على الأرض “كيف يحدث لي ذلك؟!”، لحظة لم يحسب لها أيّ حساب ولم يتوقّع أن يكون في مثل هذا الموقف في يوم من الأيام، السماء تبرق، سرعة الرياح تشتدّ، وحبّات المطر لا تزال تتساقط والرعد الآتي من تصادم السحب الكثيفة يزيد من مخاوفه، تحسّس ماءً غزيرا ينحدر من فوق رأسه العاري، يمرّ فوق وجهه ورقبته ويجري على صدره وظهره ويهبط إلى ساقيه، أحسّ بثوبه المغمور بالماء والملطّخ بالطين ملتصقاً بكامل جسده، اضطرب، توتّر أكثر، ارتفعت عنده درجتا الخيبة والشعور بالخجل.

الصمت يسود المكان إلا من صوت ذلك الشاب الجميل، الذي كان يغنّي ويملأ الخيمة صخبا وفرحا اندفع إلى مسامعهم “أنت بخير؟، الحمد لله على سلامتك”، ابتسم أبو عماد في وجهه، وزّع المزيد من الابتسامات على البقيّة وتودّد لهم بنظرة أخيرة، وعندما التفت خلفه هاله منظر الخيمة، ومن دون أن يتأخّر تحرّك إلى الأمام، أخرج مفتاح السيّارة المتبقي في جيبه وارتمى بداخلها، كلّ النظرات كانت تفترسه وهو يدير المحرّك والمدفأة، وراح يقود السيارة إلى الخلف، يلوّح لهم بيده ويستمرّ في قيادة السيارة بطريقة عكسية إلى أن يبتعد عنهم ويصل إلى الشارع العام ويختفوا تماما عن ناظريه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى