صدى مصرمقالاتمنوعات

أفواه وأرانب… لكن المزرعة تحتاج الجميع

ثياب الاقتصاد… بعيون مصرية

أفواه وأرانب… لكن المزرعة تحتاج الجميع

 

بقلم/حسين عبيد صحفي وباحث قانوني واقتصادى

الحرمان والجهل والمرض… ثلاثية الفقر

عندما تغيب شمس الرؤية والتخطيط، وتتزايد الكثافة السكانية، وتتآكل الموارد، يبقى الفقر حاضرًا بأبشع صوره: الجهل والمرض والحرمان.

فالفقر ليس مجرد رقم في تقرير اقتصادي، ولا انخفاضًا في مستوى الدخل، وإنما حياة كاملة من المعاناة. إنسان يبحث عن الغذاء فلا يجده، وعن الدواء فلا يستطيع شراءه، وعن التعليم فلا يجد إليه طريقًا. وعندما تتراكم هذه الأزمات، يصبح الفقر أكثر من مجرد أزمة اقتصادية؛ يتحول إلى أزمة في فرص الإنسان بالحياة.

ومن هنا يأتي السؤال: كيف نستطيع أن نستوعب كل هذه الأفواه؟

كانت الإجابة قديمًا تبدو واضحة: المزرعة والإنتاج الزراعي. نزرع الأرض، وننتج الغذاء، ونوفر احتياجات المجتمع.

لكن العالم تغير، وأصبحت المزرعة أكبر من مجرد أرض زراعية. أصبحت المزرعة هي الاقتصاد بكل قطاعاته: الزراعة والصناعة والخدمات، والتكنولوجيا والبحث العلمي والابتكار.

وهنا تظهر كلمة السر التي لا تتغير:

الإنتاج.

إنتاج زراعي يوفر الغذاء، وإنتاج صناعي يخلق القيمة المضافة وفرص العمل، وإنتاج خدمي يواكب احتياجات المجتمع والعالم.

أما الفارق بين الأمس واليوم والغد، فهو لغة العصر… التكنولوجيا.

لم يعد امتلاك الأرض أو المصنع وحده كافيًا. المعرفة أصبحت ثروة، والتكنولوجيا أصبحت أداة رئيسية للمنافسة، والعقل البشري أصبح من أهم الموارد التي تمتلكها الدول.

ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي يجب أن يكون في الإنسان.

أن نعلمه، وندربه، ونمنحه فرصة العمل، ونفتح أمامه أبواب الابتكار، ونستفيد من قدراته بدلًا من أن تتحول طاقته إلى بطالة وانتظار وإحباط.

فالقوة البشرية ليست عبئًا في حد ذاتها، وإنما يصبح العبء عندما تكون لدينا قوة بشرية بلا رؤية، وبلا تخطيط، وبلا منظومة تستطيع تحويل الطاقات إلى إنتاج.

الجمهورية الجديدة… من بناء المكان إلى بناء الإنسان

لقد قطعت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية شوطًا كبيرًا في بناء البنية التحتية، من طرق وكباري، وشبكات للسكك الحديدية والمواصلات، ومدن جديدة، ومشروعات إسكان، وغيرها من المشروعات التي تستهدف تحسين جودة الحياة وخلق بيئة أكثر تنظيمًا وقدرة على استيعاب المواطنين.

ويأتي الإسكان الاجتماعي نموذجًا مهمًا في توفير مسكن أفضل لشرائح واسعة من المواطنين ونقلهم إلى بيئات أكثر ملاءمة للحياة.

لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم هو:

ماذا بعد بناء المكان؟

الإجابة في رأيي: بناء الإنسان المنتج.

فلا يكفي أن ننقل الإنسان إلى مسكن أفضل إذا ظل يبحث عن فرصة عمل.

ولا يكفي أن نبني الطرق إذا لم تتحرك عليها عجلة الإنتاج.

ولا يكفي أن نبني المدن إذا لم تتحول إلى مراكز للصناعة والخدمات والاستثمار والابتكار.

لقد أصبحت لدينا بنية أساسية يمكن البناء عليها، والمرحلة القادمة تحتاج إلى تعظيم الاستفادة منها وتحويلها إلى قوة إنتاجية حقيقية.

وهنا يجب أن تكون الجمهورية الجديدة مرحلة يتصدر فيها العلماء والخبراء والمبتكرون وأصحاب العقول المشهد، وكل من يستطيع أن يساهم في تغيير هذا الواقع إلى الأفضل.

فرواد المستقبل ليسوا فقط من يستطيعون بناء الحجر، وإنما أيضًا من يستطيعون إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتحديث الصناعة، وخلق فرص العمل واليوم

كيف نحول ما تم إنجازه في البنية الأساسية إلى إنتاج مستدام؟

نحن بحاجة إلى الانتقال من سؤال: كم أنفقنا؟ إلى سؤال أكثر أهمية: كم أنتجنا؟

كم مصنعًا يعمل بكامل طاقته؟

كم فرصة عمل حقيقية تم توفيرها؟

كم قيمة مضافة نستطيع أن نصنعها محليًا؟

وكم عقلًا مصريًا استطعنا أن نضعه في المكان الصحيح؟

هذه هي الأسئلة التي يمكن أن تقودنا إلى اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الأزمات.

الفقر لا تصفه الأقلام

الفقر معيشة قاسية وصبر طويل وأنين لا يسمعه إلا من عاشه.

أن تحتاج إلى الدواء ولا تستطيع شراءه، أو تحتاج إلى الغذاء ولا تستطيع توفيره، أو يحلم طفل بالتعليم بينما تقف الظروف أمام حلمه.

لهذا لا تكون مواجهة الفقر بالمساعدات فقط، رغم أهميتها وضرورتها في أوقات كثيرة، وإنما بصناعة الفرص.

فرصة عمل، وفرصة تعليم، وفرصة علاج، وفرصة إنتاج.

فاليد التي تعمل أكثر قدرة على حماية صاحبها من الفقر، والعقل الذي يتعلم أكثر قدرة على صناعة المستقبل.

شمس الإنتاج

نحن نستطيع أن نغير هذا الألم المستمر عبر عقود، إذا امتلكنا الإرادة والرؤية، ووضعنا فقه الأولويات، وحاربنا الفساد وإهدار الموارد، واستثمرنا في الإنسان، واستخدمنا لغة العصر.

نحتاج إلى شمس لا تغيب…

شمس الإنتاج.

إنتاج لا يتوقف عند حدود ما نعرفه اليوم، وإنما يمتد إلى ما يمكن أن نكتشفه غدًا.

شمس من البحث العلمي والتطوير والتكنولوجيا والتخطيط والعمل.

فإذا أحسنا استثمار الإنسان، فلن تكون كثرة الأفواه عبئًا، بل يمكن أن تتحول إلى كثرة في الأيدي المنتجة والعقول المبدعة والطاقات التي تبني الوطن.

لقد قطعنا شوطًا كبيرًا في بناء البنية التحتية، والمرحلة القادمة تحتاج إلى شوط أكبر في بناء البنية الإنتاجية والعلمية والبشرية.

فالجمهورية الجديدة ليست فقط طرقًا ومدنًا وكباري، وإنما عقول تعمل، وأيدٍ تنتج، وعلماء يقودون، وشباب يجد فرصة حقيقية لصناعة مستقبله.

وفي النهاية…

المزرعة تحتاج الجميع، ولكنها تحتاج الجميع منتجين.

والإنتاج…

هو كلمة السر بالأمس، واليوم، وغدًا.

زر الذهاب إلى الأعلى