أدب وثقافة
الانتحار الأدبي مقبرة للكلمات.بقلم: غدير حميدان الزبون
الانتحار الأدبي مقبرة للكلمات
قلمي الذي أضناهُ جُرحُ مَقالِهِ
فهوى، ولكنْ لم يَمُتْ في حالِهِ
يُحيي العقولَ إذا استبدَّ ظلامُها
ويفكُّ دربَ النورِ من أغلالِهِ
بقلم: غدير حميدان الزبون, فلسطين
قيل يومًا إنّ السيوف تصنع التاريخ غير أنّ الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان أن الأقلام هي التي ترويه وتحفظه من الضياع.
ولكن ماذا لو انتحر القلم؟ ماذا لو قرر أنْ يصمت بعدما أثقلته الخيبات، وأرهقته الأيدي التي استخدمته لتزييف الحقائق بدل إظهارها؟
في مساءٍ مكتظٍّ بالصمت، تمدّد القلم على حافة الورقة، وقد جفّ حبره وانطفأت في جوفه شرارة البوح.
لم يمت حقًّا، لكنه أعلن عصيانه على الكلمات.
سألته الأوراق بدهشة: أحقًّا ستنهي رحلتك؟
أحقًّا ستترك العقول نهبًا للفراغ؟
فلم يجب، إذ كان صمته أبلغ من ألف جواب.
غير أنّ انتحار القلم قد يكون بدايةً جديدة، فالأشياء العظيمة لا تموت، وإنما تنكفئ قليلًا؛ لتسترد قوتها.
أليس الليل نفسه يفسح الطريق للفجر؟ أوليست الأرض الجرداء تنبت بعد المطر حياةً لا تُحصى؟
كذلك القلم، قد يتوقف حينًا، لكنه لا يلبث أنْ يعود أشد لمعانًا وأعمق أثرًا.
إنّ القلم الذي ذاق مرارة الصمت يعرف قيمة الكلمة، والذي جُرح بالخداع يدرك معنى الصدق، لذلك فإنّ عودته ولادة ثانية.
وما أجمل أنْ ينهض القلم من رماد يأسه نهوض العنقاء من احتراقها!
عندها يصبح الحبر دمًا نابضًا بالحقيقة، وتغدو الكلمات جسورًا تعبر عليها الأمم نحو المعرفة.
ومن هنا أجادل كلّ مَن يظن أنّ انكسار القلم هزيمة نهائية، لتعلمْ يا هذا أنّ الهزيمة الحقيقية في رفض النهوض.
أما القلم الصادق فإنه كلما انكسر ازداد صلابة، وكلما صمت ازداد قوله تأثيرًا. فكيف يموت مَن كانت رسالته إحياء العقول؟
وكيف يفنى من كان سلاحه الفكر والنور؟
ولسان حال القلم يقول:
لا تجزع يا قلمي إنْ ضاقَ الدُّجى وتكسَّر، فالنورُ يولدُ من رمادٍ أحمر، ولا تحسبِ الصمتَ الطويلَ هزيمةً، فالبحرُ يزدادُ في المدى إذا أبحر.
فالقلم لا ينتحر إلا مجازًا، أما حقيقته فالبقاء.
قد ينكسر، قد يجف حبره، وقد يغيب صوته زمنًا، لكنه يعود دائمًا؛ لأنّ الفكرة الصادقة أقوى من الصمت، والكلمة الحرة لا تعرف الموت. منها عبر أدباء إلي الغياب …ثقوب في جدار الحياة …





