مقالاتمنوعات

التفاصيل الصغيرة.. بقلم الكاتبة : فيفيان سمير

التفاصيل الصغيرة..

 

بقلم الكاتبة : فيفيان سمير

وقفت عند نافذة مطبخها، تنظر إلى المدينة وهي تستيقظ على عجل مع خيوط الصباح، في يدها فنجان قهوة صغير، وفي عينيها شيء من دهشة طفل رأى البحر أول مرة.

لم تكن تفعل شيئا ذا بال، كانت فقط… تتوقف، في تلك اللحظة الصامتة، بين رشفة ورشفة، بين بخار يتصاعد وضوء يتسلل، شعرت بما لم تشعر به منذ شهور، أنها موجودة.

نحن نعيش في زمن يدفعنا إلى الجري بلا توقف، حتى صار البطء تهمة. الهاتف يطاردنا رنينه، والإشعارات تتساقط كالمطر، العمل يزحف حتى الفراش، والأخبار تلاحقنا، والأرق صار رفيقا رسميا لليلنا.

وفي لحظة في خضم هذا كله، نشعر بالاحتياج إلى ملاذ غاب وسط الزحام، ملاذ يكمن في التفاصيل الصغيرة التي كانت دائما هناك، تنتظر أن نلتفت إليها، كفنجان قهوة يُشرب على مهل دون أن تمتد إليه يد بالهاتف وحواس تنغمس بالكامل في شاشة، أو مكتبة يُعاد ترتيبها كتابا كتابا كأن صاحبها يعيد ترتيب فوضى روحه، والكتاب يُرتب على الرف حسب المزاج لا حسب حروف الأبجدية، أو مشي بلا هدف، بلا وجهة ولا خطوات معدودة ولا تطبيق يرصد السعرات، أو طقس مسائي بسيط من ضوء خافت وكتاب مفتوح وصمت يسبق النوم.

هل هذا ترف؟ هل هذه نرجسية طبقية تبحث عن معنى في زمن فقدت فيه المعاني الكبرى بريقها؟ أنه شيء أعمق من ذلك، إنه مقاومة هادئة، مقاومة لا تغير العالم في يوم، لكنها تغير علاقتنا به.

في الأدب، عرفنا هذا قبل أن يعرفه علم النفس، في كتب بورخيس عن المتاهات الصغيرة، وكتب فرجينيا وولف عن لحظات عابرة تختزل العمر كله، لم يكن هؤلاء هاربين من الواقع، بل كانوا يغوصون فيه بعمق أكبر.

كانوا يرون أن الحياة ليست في الأحداث الكبرى فقط، بل في المسافات الصغيرة بينها، في الصمت الذي يسبق كلمة، في نظرة عابرة، في رائحة خبز يخرج من فرن قديم في حارة ضيقة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح، هل يمكن أن يكون أسلوب الحياة الهادئ فعلا ثقافيا ونفسيا يصمد أمام ضغوط الاقتصاد الذي يطالبنا بالإنتاجية الدائمة، وأمام ثقافة الاستعراض التي تجعل من كل لحظة خاصة مادة للنشر؟ الجواب، كما في كل شيء إنساني، معقد ومتناقض. غير أن الحقيقة، فيما أرى، أعمق من ذلك وأرق.

فحين يُصادر انتباه الإنسان صباح مساء، ويُباع ويُشترى في أسواق لا يراها، تصبح استعادته فعلا يتجاوز الراحة الشخصية إلى معنى المقاومة. إن الخوارزميات التي تحيط بنا لا تريد منا أن نتأمل، فالتأمل لا يُدر أرباحا، ولا تريد أن نشبع، فالشبعان لا يعاود النقر. وهي تتغذى على قلقنا وعجلتنا وخوفنا من أن يفوتنا شيء، ذلك الخوف الحديث الذي لم يعرفه أجدادنا.

ومن ثم فإن امرأة تشرب قهوتها بصمت، أو رجلا يمشي في الشارع دون سماعات أو فقط يستمع إلى موسيقى هادئة، إنما يمارسان نوعا من العصيان المدني الناعم، عصيانا يقول بلغة الجسد إن وقتي ملكي، وإن انتباهي ليس سلعة معروضة.

المساحة التي تبدأ عندما نغلق الهاتف، عندما نرفع رأسنا عن الشاشة، عندما ننظر إلى وجه من نحب دون أن نلتقط صورة، عندما نشرب القهوة ونحن نستطيب طعمها ونستنشق رائحتها دون أن نكتب عنها، عندما نمشي دون أن نحسب الخطوات، هذه المساحة ليست ترفا، إنها ضرورة، إنها وسيلتنا لاستعادة أنفسنا من الانصهار.

ليس علينا أن نغير الحياة كلها، أو أن نعتزل العالم أو نرفض التكنولوجيا أو نعيش في كهف، لكن علينا أن نستعيد التفاصيل، أن نعود إلى الأشياء الصغيرة التي كانت دائما تعطينا معنى دون أن ننتبه، فنجان قهوة مع كتاب قديم، جلسة الأسرة المسائية في شرفة تطل على شارع مزدحم مع أكواب الشاي الساخنة، لحظة صمت على شاطئ البحر، لحظة تأمل للسماء، لحظة نكون فيها، ببساطة، بشرا يعيشون لا آلات تنتج. في تلك اللحظة، ربما نكتشف أن الحياة الهادئة ليست هروبا من العالم، بل طريقة أفضل لفهمه.

أما على المستوى النفسي، فالدماغ البشري لم يُخلق ليتلقى سيلا لا ينقطع من المنبهات، وحين يُجبر على ذلك يدفع الثمن قلقا وأرقا وتشتتا وإحساسا غامضا بالفراغ رغم الامتلاء.

أما الطقوس الصغيرة فتمنح الإنسان ما يفتقده أشد الافتقاد، وهو إعادة ضبط جهازه العصبي، والإحساس بالسيطرة على إيقاع يومه. حين تُكرر الفعل ذاته بالطريقة ذاتها في الساعة ذاتها، فإنك تبني جزيرة صغيرة من الأمان وسط بحرٍ متقلب.

وحين تمنح انتباهك الكامل لشيء واحد، لرائحة البن أو ملمس الغلاف أو وقع خطواتك على الرصيف، فإنك تمارس ما يسميه علماء النفس اليقظة الذهنية.

وإذا كان الأمر كذلك، فإن الحياة الهادئة ليست انسحابا من العالم كما قد يتوهم البعض، بل هي طريقة مختلفة للإقامة فيه؛ فمن استعاد انتباهه استعاد قدرته على الإصغاء إلى من يحب، وعلى التفاعل مع ما يرى، وعلى الحكم بروية لا برد فعل.

إنها ثقافة بالمعنى الكامل للكلمة، منظومة قيم وعادات ومعان يتوارثها الناس ويعيدون صياغتها، تقول إن الإنسان أكبر من إنتاجيته، وإن الوقت الذي يُنفق في الاستمتاع بشيء بسيط ليس وقتا ضائعا بل هو الوقت الوحيد الذي عشناه حقا. وهي كذلك ضرورة نفسية، لا يملك المرء أن يزهد فيها طويلا دون أن ينهار.

عادت المرأة إلى قهوتها، والضوء يتسلل رقيقا على حافة الستار، والهاتف يومض في مكانه، لكنه بدا لها الآن صغيرا بعيدا. ارتشفت رشفة ببطء، وأدركت أن ما تفعله ليس كسلا ولا ترفا، بل عودة إلى بيتها الأول، ذاك الذي لا يقع في مكان بل في الوعي الكامل والتركيز في كل فعل تقوم به مهما كان صغيرا، لتعيشه لا لمجرد المرور به.

وفي مضمار سباقنا اليومي، قد يكون أشجع ما يفعله المرء أن يبقى حيث هو، وأن يُحسن البقاء.

زر الذهاب إلى الأعلى