العالم يتغير… ونتنياهو في مواجهة العزلة
بقلم : حسين عبيد
كاتب وباحث قانوني واقتصادي
لم يكن مشهد الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد حدث عابر، بل كان لحظة كاشفة. فبينما كان بنيامين نتنياهو يلقي خطابه، انسحب عدد من ممثلي الدول من القاعة. لم يكن الانسحاب احتجاجاً دبلوماسياً فقط، بل تعبيراً عن تحول أعمق في الرأي العام العالمي. غزة كانت كلمة السر التي فتحت عيون العالم على حقيقة حكومة يقودها أقصى اليمين، ويركب موجتها نتنياهو وبن غفير وسموتريتش وغيرهم.
لقد كشفت الحرب على غزة الوجه القبيح لتلك الحكومة. حكومة لا تريد سلاماً، ولا تبحث عن أمن حقيقي لشعبها، بل تريد أن تبني مجداً زائفاً على جثث الأطفال والنساء، وجغرافيا لا تملك منها شيئاً. من غزة إلى لبنان، ومن اليمن إلى إيران وسوريا، أشعلت هذه الحكومة المنطقة بصراع وحروب، ودفعت شعوبها ثمناً باهظاً.
لا يمكن فصل ما يجري في غزة عن سياسة الاحتلال والتوسع. فمنذ نشأة إسرائيل على أنقاض فلسطين، ظل العنف والتهجير والحرمان جزءاً من تجربة الفلسطينيين. لكن ما جرى بعد السابع من أكتوبر تجاوز كل الحدود، وحوّل غزة إلى أنقاض، وقتل آلاف المدنيين، وشرد ملايين، في مشهد وصفته منظمات دولية بأنه كارثة إنسانية.
ورغم كل هذا، تواصل إسرائيل استخدام سلاح اتهام معاداة السامية لإسكات النقد. نعم، نرفض معاداة السامية الحقيقية، ونرفض كراهية أي شعب بسبب دينه أو أصله. لكن لا يجوز تحويل هذا الاتهام إلى غطاء لجرائم حرب وانتهاكات للقانون الدولي. النقد السياسي لإسرائيل ليس معاداة للسامية، تماماً كما أن النقد السياسي لأي دولة ليس عداءً لشعبها.
اليوم، يجد نتنياهو نفسه في مواجهة العزلة. ليست العزلة فقط في الأمم المتحدة، بل في المحاكم الدولية، وفي العواصم الغربية، وفي الشارع العربي والإسلامي، وحتى داخل إسرائيل نفسها. مذكرات الاعتقال الدولية، والدعاوى في محكمة العدل الدولية، والاحتجاجات الشعبية، كلها إشارات إلى أن العالم لم يعد يقبل بمنطق القوة المفرطة.
السؤال الآن: هل حان الوقت لتتعلم إسرائيل أن القوة المفرطة لا تصنع الأمن والسلام؟ إن التجربة تقول إن القصف لا يجلب الأمن، والحصار لا يجلب الهدوء، والاحتلال لا يجلب الاستقرار. كلما زادت القوة، زادت الكراهية، وكلما زاد القمع، زادت الرغبة في المقاومة. الأمن الحقيقي لا يتحقق إلا بإنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، والاعتراف بحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
المجتمع الدولي مطالب اليوم بموقف واضح: وقف فوري لإطلاق النار، إدخال المساعدات دون قيود، حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم. لا يكفي أن ينسحب الممثلون من القاعة، بل يجب أن تتحول هذه الاحتجاجات إلى خطوات عملية: وقف تصدير السلاح، ومراجعة العلاقات، وفرض عقوبات على من يعرقل السلام.
أما إذا استمرت هذه الحكومة في سياسة الدماء، فستظل المنطقة أسيرة حروب لا تنتهي. لكن الشعوب، في فلسطين وإسرائيل والمنطقة كلها، تستحق مستقبلاً أفضل. مستقبل يقوم على العدل، لا على الاحتلال؛ على الكرامة، لا على الإذلال؛ على السلام، لا على القوة المفرطة. والسؤال الأخير يبقى: هل ستتعلم إسرائيل قبل فوات الأوان، أم ستظل الدماء هي لغة هذه الحكومة المتطرفة؟








