مقالاتمنوعات

القبول لا يُشترى… ولو أمتلكت َ العالم !

القبول لا يُشترى… ولو أمتلكت َ العالم !

 

هنا نابل… بقلم المعز غَنِـي

أقسى حقيقة يمكن أن يتعلمها الإنسان متأخرًا: أنك تستطيع أن تشتري الثياب ، والسيارات ، والمنازل ، والمظاهر ، وأن تصنع لنفسك صورةً تملأ العيون … لكنك لن تستطيع أن تشتري مكانًا حقيقيًا في قلب إنسان لا يشعر تجاهك بالقبول .

يمكنك أن تغيّر مظهرك ، وأن ترتدي أفخم ما تملك من أغلى الماركات العالمية ، وأن تحيط نفسك بالأضواء ، وأن تجعل حضورك صاخبًا ، وأن تتعرّف إلى عشرات الأشخاص ، وأن تنجح وتتصدر المشهد ، وأن تفعل المستحيل حتى يلتفت إليك الآخرون …

لكن هناك شيء واحد سيظل خارج قدرتك على الشراء والفرض :

أن يحبك الناس بصدق .

فالقبول الحقيقي لا يُشترى بالمال ، ولا يُنتزع بالقوة ، ولا يُفرض بالمكانة ، ولا تصنعه كثرة الصور ، ولا عدد العلاقات ، ولا إرتفاع الصوت .

القبول الحقيقي شيء أعمق من كل ذلك …

إنه ذلك الشعور الهادئ الذي يجعل وجود إنسان ما مريحًا ، حتى عندما لا يقول شيئًا .

هناك أشخاص لا يرتدون أغلى الملابس ، ولا يمتلكون أفخم السيارات ، ولا يبحثون عن الأضواء ، وربما لا يعرفهم إلا القليلون …

ومع ذلك ، عندما يدخلون مكانًا ما ، تشعر القلوب بالطمأنينة لأنهم لم يأتوا ليستعرضوا أنفسهم ، ولم يدخلوا منافسة مع أحد ، ولم يحملوا في عيونهم سؤالًا واحدًا :

“هل أعجبكم؟ هل ترونني مهمًا؟ هل تقبلونني؟”

هم ببساطة … كانوا أنفسهم .

وهنا تكمن المفارقة التي لا يفهمها كثيرون :

كلما بالغتَ في محاولة إثبات أنك تستحق القبول ، أبتعدتَ عنه أكثر ، لأن الإنسان عندما يقضي حياته في محاولة إرضاء الجميع ، يفقد شيئًا ثمينًا جدًا في الطريق …

يفقد نفسه …

يبدأ بتغيير كلامه حتى يناسب الآخرين ، وملابسه حتى يلفت أنظارهم ، وآراءه حتى لا يخالفهم ، ومواقفه حتى لا يخسرهم ، وحتى ضحكته قد تصبح محسوبةً بعناية …

وفي النهاية ، قد يصفق له الجميع ، بينما هو في داخله لا يعرف من يكون .

وهذه واحدة من أكثر صور الخسارة قسوة :

أن تحصل على إعجاب الناس … وتخسر إحترامك لنفسك .

لا تتعب نفسك في محاولة أن تكون محبوبًا من الجميع .

فمهما فعلت ، سيحبك البعض ، وسيسيء فهمك البعض الآخر ، وسيختلف معك البعض ، وسيبحث آخرون عن عيوبك حتى لو لم يجدوا شيئًا .

وهذا طبيعي .

فليس مطلوبًا منك أن تكون نسخةً مثاليةً ترضي جميع البشر .

أنت إنسان .

تخطئ وتصيب ، تتغير وتتعلّم ، تسقط ثم تنهض ، تضعف أحيانًا وتقوى أحيانًا أخرى .

وكلما تصالحت مع حقيقتك ، أصبحت أقل إحتياجًا إلى التصفيق .

كن حقيقيًا … لا مثاليًا .

تمنَّ الخير للآخرين دون أن تجعل نجاحهم إهانةً لنجاحك .

لا تقارن حياتك بحياة غيرك .

لا تنظر إلى ما في يد الآخرين وتنسَ ما أنعم الله به عليك .

ولا تحاول أن ترتدي شخصيةً ليست شخصيتك فقط لأنك تظن أن الناس سيحبونها .

فمن يحبك بسبب قناعك ، سيتركك عندما يسقط القناع .

أما من يحبك لأنك أنت … فلن يحتاج منك إلى عرضٍ مستمر لإثبات قيمتك .

وتذكّر دائمًا :

ليس كل من يبتسم لك يحبك ، وليس كل من يختلف معك يكرهك ، وليس كل من أبتعد عنك خسارة ، وليس كل من أقترب منك مكسبًا .

العلاقات الحقيقية لا تُقاس بعددها ، وإنما بصدقها .

وقد تصل في مرحلة من حياتك إلى قناعة عظيمة :

أنا لا أحتاج أن يحبني الجميع … يكفيني ألا أخسر نفسي وأنا أحاول أن يحبني الآخرون .

فكن هادئًا .

عش كما أنت .

أفعل الخير دون إنتظار التصفيق .

أحترم الناس دون أن تتسوّل قبولهم .

تمنَّ النجاح للآخرين دون أن تعتبر نجاحهم تهديدًا لك .

وأخرج من سباق المقارنات الذي لا خط نهاية له .

فالجمال الحقيقي ليس أن تدخل كل القلوب …

بل أن تدخل القلوب التي تشبهك دون أن تضطر إلى طرق أبوابها .

وفي النهاية ، ستكتشف أن أجمل أنواع القبول هو ذلك الذي يأتيك دون طلب ، وأن أصدق المحبة هي التي لا تحتاج إلى أستعراض ، وأن أعمق العلاقات هي التي لا تحتاج منك أن تمثّل دورًا طوال الوقت .

فلا تغيّر نفسك حتى يحبك الناس …

غيّر ما يحتاج إلى تغيير فيك حتى تصبح أنت الشخص الذي تستطيع أن تحترمه عندما تقف وحيدًا أمام المرآة .

أما الذين كُتب لهم أن يحبوا حقيقتك …

فسوف يجدونك ، دون أن تطاردهم .

لا تركض خلف القبول …

كن جديرًا بالسلام مع نفسك ، وسيأتيك القبول الحقيقي من حيث لا تحتسب .

وهنا تبدأ الحكاية …

حين تتوقف عن محاولة أن تكون محبوبًا من الجميع ، وتبدأ أخيرًا في أن تكون صادقًا مع نفسك.

هنا نابل… بقلم المعز غَنِـي

كاتب وإعلامي من مدينة نابل.

عاشق الترحال وروح الاكتشاف.

 

زر الذهاب إلى الأعلى