الدين و الحياة

الليلة التي اختفى فيها المسيح عليه السلام

سلسلة التاريخ من وراء الستار

الليلة التي اختفى فيها المسيح عليه السلام،

هل انتهت الرسالة أم بدأت أخطر معارك التاريخ؟

سلسلة التاريخ من وراء الستار

بقلم / محمد مصطفى كامل
هناك ليالٍ تمر على التاريخ ثم تختفي ، وهناك ليالٍ أخرى تظل البشرية تطارد أسرارها لآلاف السنين.
ولعل أخطر تلك الليالي هي الليلة التي اختفى فيها عيسى من المشهد فجأة،
لتدخل الإنسانية بعدها في واحدة من أعقد المعارك الدينية والفكرية والسياسية في تاريخها كله.ففي تلك اللحظة،لم تكن فلسطين مجرد أرض تحت الاحتلال الروماني بل كانت قنبلة مؤجلة.
الأحبار يخشون انهيار نفوذهم،
والرومان يراقبون أي حركة قد تشعل تمردًا،والناس ينتظرون المخلّص وسط عالم امتلأ بالخوف والاضطراب،
بينما كان المسيح عليه السلام يتحرك بين الفقراء والبسطاء داعيًا إلى الرحمة والتوبة وإحياء الضمير.لكن المشكلة لم تكن في المعجزات التي جاء بها،بل في الرسالة نفسها.
فالأنظمة تستطيع احتمال الفقر أحيانًا،وتتحمل الأزمات،لكنها تخاف دائمًا من الإنسان الذي يعيد تعريف الحقيقة خارج سيطرتها.
ولهذا،بعد مقتل يحيى،وما ارتبط من روايات بمقتل زكريا،أصبح واضحًا أن الدور يقترب من المسيح نفسه.
ومن هنا بدأت الليلة التي لن ينسى التاريخ آثارها أبدًا.
فلسطين قبل الانفجار الكبير
في السنوات الأخيرة من دعوة المسيح عليه السلام،كانت فلسطين تعيش توترًا غير مسبوق.
الرومان يريدون استقرارًا كاملًا بأي ثمن،والأحبار يخافون من اتساع تأثير المسيح بين الناس،وعامةالناس والفقراء بدأت ترى فيه أملًا مختلفًا عن كل ما عرفته من قبل.فهو لم يدعُ إلى ثورة مسلحة،ولم يطلب عرشًا أو مُلكًا،
بل دعا إلى الرحمة والتوبة وكسر النفاق
وإعادة الإنسان إلى جوهر الرسالة
لكن هذا بالذات كان أخطر ما في دعوته.لأن النفوذ الذي بُني على احتكار الدين يرتعب دائمًا من أي صوت يعيد الناس إلى الحقيقة مباشرة دون وسطاء.
الحواريون بين الإيمان والخوف
كان حول المسيح عليه السلام مجموعة من الحواريين الذين آمنوا برسالته ورافقوه في دعوته.
وقد ذكرهم القرآن الكريم ،
﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ ۖ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ﴾
لكن مع اقتراب الخطر،
بدأ الخوف يتسلل إلى الجميع.
فالسلطة لم تعد تنظر إلى المسيح كنبي يدعو إلى الله فقط بل كشخص يمكن أن يهز التوازن كله داخل فلسطين.
وهنا بدأت المؤامرة تتحرك في الظلام.
هل كانت هناك خيانة؟
الرواية المسيحية التقليدية تتحدث عن خيانة داخل الدائرة القريبة من المسيح،وتحديدًا شخصية يهوذا الإسخريوطي.أما في العقيدة الإسلامية،فالقرآن الكريم لم يذكر اسم الخائن،ولم يدخل في تفاصيل المشهد كما فعلت الروايات المسيحية،
بل ركّز على الحقيقة الأساسية .
أن المؤامرة لم تنجح كما ظن أصحابها.
قال تعالى .
﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾
وكأن القرآن ينقل الحدث من مجرد قصة مطاردةإلى صراع أكبر بين تدبير البشر وإرادة الله.
ماذا حدث في تلك الليلة؟
هنا تبدأ أكثر اللحظات جدلًا في تاريخ المسيح عليه السلام.
فبينما تؤكد الرواية المسيحية التقليدية حادثة الصلب،
يأتي القرآن الكريم بحسم واضح .
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ﴾
ثم يقول سبحانه ،
﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
وفي العقيدة الإسلامية،
فإن المسيح عليه السلام لم يُقتل،
ولم تنتهِ رسالته في تلك الليلة،
بل نجّاه الله ورفعه إليه.
أما تفاصيل ما جرى بالضبط،
فقد ظلت محل روايات متعددة في كتب التفسير والتاريخ الإسلامي.
ماذا قال ابن كثير والطبري؟
ذكر ابن كثير في البداية والنهاية روايات متعددة تشير إلى أن الله ألقى شبه المسيح على شخص آخر،
فأُخذ بدلًا منه بينما رُفع المسيح عليه السلام.
كما نقل الطبري في تاريخ الرسل والملوك أقوالًا مختلفة حول تلك الليلة،
مبينًا اختلاف العلماء في التفاصيل،
لكن مع اتفاقهم على أن المسيح عليه السلام لم يُقتل حقيقة.
ورغم تعدد الروايات،
بقي النص القرآني هو الأساس الحاسم في الرؤية الإسلامية.
ماذا قالت السنة النبوية؟
أكدت السنة النبوية أن المسيح عليه السلام لم تنتهِ قصته بعد رفعه،
بل سيعود في آخر الزمان.
ففي الأحاديث الصحيحة،
ذكر النبي ﷺ نزول عيسى عليه السلام في آخر الزمان،
وأنه سيكسر الصليب ويقتل الدجال ويحكم بالعدل.
وهذا يجعل رفع المسيح عليه السلام في العقيدة الإسلاميةليس نهاية مرحلة فقط،بل بداية انتظار طويل لعودته في زمن الفتن الكبرى.
ماذا قال عبد الوهاب المسيري؟
يرى المفكر عبد الوهاب المسيري أن اختفاء المسيح عليه السلام مثّل لحظة انفجار تاريخي داخل المجتمع اليهودي وتحت السيطرة الرومانية.
فدعوة المسيح لم تكن مجرد وعظ ديني،بل إعادة تعريف للعلاقة بين الإنسان والدين والسلطة.
ولهذا خافت النخب الدينية والسياسية من استمراره،
لأن تأثيره كان يهدد البنية التي قامت على احتكار المقدس والنفوذ معًا.
ويشير المسيري إلى أن المفارقة الكبرى
أن اختفاء المسيح لم يُنهِ تأثيره،
بل جعله يتحول إلى واحدة من أكثر الشخصيات حضورًا وتأثيرًا في تاريخ البشرية كلها.
كيف غيّرت تلك الليلة العالم؟
بعد اختفاء المسيح عليه السلام،
لم تهدأ فلسطين ، بل بدأت مرحلة أخطر بكثير.
الجماعات انقسمت،والروايات تعددت،
والعقائد بدأت تتشكل،
ثم دخلت السياسة والإمبراطوريات لاحقًا لتعيد صياغة المشهد كله.
وكأن تلك الليلة لم تكن مجرد نهاية نبي ، بل بداية عصر كامل من الجدل الديني والصراع الفكري والتحولات الحضارية التي ستغير العالم لقرون طويلة.
في تلك الليلة التي ظن البعض أنهم أسكتوا فيها صوت المسيح عليه السلام كان التاريخ يستعد لواحدة من أعظم المفارقات.
فالرسالة التي حاولت السلطة محاصرتها داخل فلسطين
ستخرج لاحقًا لتغيّر العالم كله.
والمسيح الذي أرادوا إنهاء دعوته،
سيبقى اسمه حاضرًا في ضمير البشرية عبر آلاف السنين.
وكأن التاريخ كان يثبت مرة أخرى .
أن الأنبياء قد يختفون من المشهد،
لكن الأفكار التي يزرعونها لا تموت بسهولة.
ولهذا لم تكن ليلة رفع المسيح عليه السلام مجرد حادثة دينية غامضة،
بل اللحظة التي دخلت فيها البشرية عصرًا جديدًا من الصراع بين العقيدة والسلطة والتاريخ،
صراع ما زالت آثاره تتحرك في العالم حتى اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى