حين تلتقي بلاغة الكلمة بصناعة الوعي..
الأدب والتربية في مواجهة أسئلة العصر
بقلم: د. رشا ربيع الجزار
في زمنٍ تتسارع فيه المعرفة، وتتعدد فيه مصادر التأثير، لم تعد الكلمة وسيلة للتعبير، ولم تعد التربية عملية تلقين للمعارف؛ فكلاهما أصبح شريكًا أساسيًا في تشكيل الإنسان، وصناعة وعيه، وتحديد قدرته على فهم ما يدور حوله والتفاعل معه.
ومن هنا جاءت قيمة اللقاء مع الدكتور رجب أبوالعلا، أستاذ مساعد البلاغة والنقد الأدبي والأدب المقارن بكلية دار العلوم جامعة المنيا، ومعهد الدراسات الأفروآسيوية للدراسات العليا والبحث العلمي بجامعة قناة السويس؛ لقاء يفتح نافذة على مساحة معرفية رحبة تتقاطع فيها بلاغة الخطاب مع فلسفة التربية، وجماليات النص مع صناعة الوعي.
فالأدب، في جوهره، ليس ترفًا معرفيًا، وإنما أحد المسارات التي يتعرف من خلالها الإنسان على ذاته ومجتمعه والعالم من حوله. والكلمة الأدبية القادرة على التأثير لا تكتفي بأن تكون جميلة، بل تمتلك القدرة على إثارة السؤال، وتحريك الفكر، وإعادة تشكيل الرؤية.
وهنا تلتقي البلاغة بالتربية.
فالبلاغة تبحث في قوة التعبير وتأثيره، بينما تبحث التربية في كيفية بناء الإنسان القادر على الفهم والنقد والحوار. وبين المجالين مساحة مشتركة عنوانها الأبرز: الوعي.
إن بناء الوعي الحقيقي لا يبدأ فقط من المعلومة، بل من الطريقة التي تُقدَّم بها المعلومة، ومن القدرة على صياغتها بصورة تجعل المتلقي قادرًا على التفكير فيها، ومناقشتها، وربطها بواقعه. ومن هنا تصبح الكلمة جزءًا من العملية التربوية، ويصبح الخطاب التعليمي في حاجة إلى قدر من البلاغة التي تمنحه القدرة على الإقناع والتأثير واستثارة التفكير.
وفي المقابل، تحتاج البلاغة والأدب إلى قارئ يمتلك أدوات الفهم والتحليل والنقد؛ وهو ما تؤسسه التربية الحديثة حين تنتقل بالمتعلم من موقع المتلقي إلى موقع الشريك في إنتاج المعرفة.
ولعل هذا التقاطع يصبح أكثر أهمية في عصر الذكاء الاصطناعي الذي تجاوز الوصول إلى المعلومات إلى القدرة على التمييز بينها، وتحليلها، ونقدها، واكتشاف ما تحمله من دلالات وتأثيرات.
لقد أصبح الإنسان يعيش وسط سيل متواصل من الخطابات: نصوص، وصور، ومقاطع مرئية، ومنشورات رقمية، ومحتوى مولد بالذكاء الاصطناعي. وفي هذا المشهد لا تكفي المعرفة وحدها، بل نحتاج إلى إنسان يمتلك وعيًا نقديًا يمكنه من قراءة الخطاب قبل تصديقه، وفهم الرسالة قبل تبنيها، والتمييز بين التأثير الواعي والتأثير الموجَّه.
وهنا تتسع دائرة الالتقاء بين البلاغة والنقد والتربية؛ فالبلاغة تعلمنا كيف تعمل اللغة، والنقد يدربنا على تفكيك الخطاب، والتربية تمنح الإنسان القدرة على توظيف ما تعلمه في بناء موقف واعٍ ومسؤول.
ومن زاوية أخرى، فإن الأدب المقارن يفتح المجال أمام تجاوز الحدود الضيقة للنص والثقافة، ويمنحنا فرصة لرؤية أوجه التشابه والاختلاف بين التجارب الإنسانية. وهو ما ينسجم مع الاتجاهات التربوية المعاصرة التي تؤكد أهمية الانفتاح الثقافي، والحوار، واحترام التنوع، وبناء شخصية قادرة على التواصل مع الآخر دون أن تفقد خصوصيتها.
ولذلك فإن التكامل بين التخصصات لم يعد رفاهية أكاديمية، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة القضايا التي نعيشها.
فقضايا مثل التغيرات المناخية، والذكاء الاصطناعي، والأزمات العالمية، والتحولات الثقافية لا يمكن التعامل معها من زاوية علمية واحدة؛ لأنها في النهاية قضايا تمس الإنسان ووعيه وسلوكه وطريقة تفكيره.
ومن هنا يمكن أن يصبح الأدب خطابًا لبناء الحس الإنساني تجاه قضايا العصر، ويمكن للتربية أن تحول هذا الحس إلى وعي وسلوك، بينما يسهم النقد في حماية الإنسان من الوقوع أسيرًا للخطابات المضللة أو السطحية.
إن أجمل ما يمكن أن تنتجه المعرفة ليس تخصصًا منعزلًا عن غيره، وإنما جسرًا يصل بين التخصصات ويجعلها أكثر قدرة على خدمة الإنسان.
وهكذا لا يعود السؤال: ماذا تقدم البلاغة؟ وماذا تقدم التربية؟ بل يصبح السؤال الأهم: ماذا يمكن أن نصنع حين تتحاور البلاغة مع التربية؟
ربما تكون الإجابة هي: إنسان يعرف قيمة الكلمة، ويمتلك القدرة على قراءتها، ويمتلك في الوقت ذاته الوعي الذي يجعله قادرًا على تحويل المعرفة إلى موقف، والموقف إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى أثر.
ومن هنا يصبح اللقاء بين البلاغة والتربية أكثر من مجرد تقاطع أكاديمي؛ إنه لقاء بين جمال الكلمة وقوة الوعي، بين القدرة على صياغة الخطاب والقدرة على صناعة الإنسان.
وفي زمن تتغير فيه أدوات المعرفة بسرعة غير مسبوقة، ستظل الكلمة الواعية قادرة على صناعة الفرق، وستظل التربية الحقيقية هي التي تمنح الإنسان القدرة على أن يسمع، ويفهم، ويناقش، وينقد، ثم يختار.
فحين تلتقي بلاغة الكلمة بصناعة الوعي، لا يصبح الهدف أن نتحدث بصورة أجمل فحسب، وإنما أن نصنع إنسانًا يرى العالم بصورة أعمق.







