تكنولوجيامقالات

جيل يبحث عن المستقبل.. بين كابوس المصروفات وشبح البطالة وسرعة الذكاء الاصطناعي

جيل يبحث عن المستقبل..

بين كابوس المصروفات وشبح البطالة وسرعة الذكاء الاصطناعي

 

بقلم: ممدوح عكاشة

لم يعد السؤال الذي يشغل الأسرة المصرية اليوم هو: ماذا سيدرس أبناؤنا؟ فقط، وإنما أصبح السؤال الأصعب: هل ما سيدرسه أبناؤنا اليوم سيمنحهم فرصة حقيقية للعمل غدًا؟

فالمجتمع يقف أمام مجموعة من القضايا المتشابكة؛ طالب أنهى الثانوية العامة ويبحث عن مكان في الجامعة، وأسرة تحاول تدبير نفقات التعليم، وشاب يتخرج وهو يحمل شهادة جامعية لكنه يكتشف أن سوق العمل يريد مهارات أخرى، وفي الخلفية يقف الذكاء الاصطناعي ليعيد رسم شكل الوظائف التي اعتدنا عليها.

وفي مصر، دخلت البكالوريا المصرية مرحلة جديدة باعتبارها مسارًا تعليميًا موازيًا واختياريًا للثانوية العامة بدءًا من العام الدراسي 2026/2027، وهو ما يفتح الباب أمام نقاش واسع حول مستقبل التعليم وطريقة إعداد الطلاب للجامعة وسوق العمل.

لكن تطوير النظام التعليمي لا ينبغي أن يتوقف عند تغيير اسم النظام أو شكل الامتحانات.

المشكلة الحقيقية هي: ماذا يتعلم الطالب؟ وكيف يتعلم؟ وماذا يستطيع أن يفعل بعد التخرج؟

التعليم ليس سباقًا للحصول على مجموع

لسنوات طويلة ارتبط نجاح الطالب في نظر الأسرة بالمجموع، وكأن الرقم الذي يحصل عليه في الثانوية العامة هو شهادة نهائية على قدراته ومستقبله.

لكن الواقع تغير.

قد يحصل طالب على مجموع مرتفع، ثم يدخل كلية لا تناسب قدراته أو ميوله، وبعد سنوات يجد نفسه أمام سوق عمل شديد المنافسة. وفي المقابل قد يكون هناك طالب آخر لم يحصل على المجموع الذي يؤهله لبعض الكليات، لكنه يمتلك مهارة حقيقية في التكنولوجيا أو اللغات أو المهن الفنية أو الإدارة، فيجد لنفسه طريقًا أفضل.

وهنا يجب أن نعيد تعريف النجاح.

النجاح ليس أن يدخل ابنك كلية مرموقة فقط، وإنما أن يخرج منها قادرًا على بناء حياة كريمة.

الجامعات الخاصة.. فرصة أم عبء على الأسرة؟

ومع موسم التنسيق والقبول الجامعي، تعود قضية الجامعات الخاصة والأهلية إلى الواجهة، خاصة مع اختلاف المصروفات بصورة تجعل القدرة المالية للأسرة عاملًا مؤثرًا في اختيار المسار التعليمي.

وهنا يجب أن نكون منصفين؛ فالتعليم الخاص ليس مشكلة في حد ذاته، والجامعات الخاصة يمكن أن تقدم برامج تعليمية جيدة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التعليم إلى سوق لا يستطيع دخوله إلا القادرون ماليًا.

فليس من العدل أن يصبح مستقبل طالب متفوق مرتبطًا فقط بقدرة أسرته على دفع المصروفات.

نحن بحاجة إلى تعليم يضمن للطالب المجتهد فرصة عادلة، سواء كان ابنًا لأسرة ميسورة أو لأسرة بسيطة.

والسؤال الأخطر: ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بأبنائنا؟

الذكاء الاصطناعي لم يعد موضوعًا للمستقبل البعيد.

لقد أصبح حاضرًا في التعليم والعمل والإدارة والبرمجة والكتابة والتصميم وغيرها من المجالات، وهناك نقاش متزايد في مصر حول ضرورة تأهيل الشباب لمتطلبات سوق العمل الجديدة.

لكن الخوف من الذكاء الاصطناعي وحده ليس هو الحل.

فالآلة لن تسأل الشاب فقط: هل تعرف استخدام الذكاء الاصطناعي؟

بل ستسأله الحياة العملية:

هل تستطيع التفكير؟ هل تستطيع الابتكار؟ هل تستطيع حل مشكلة؟ هل تستطيع التواصل؟ هل تمتلك مهارة حقيقية؟

ولهذا فإن أخطر شيء يمكن أن نفعله هو أن نُخرج أجيالًا تحفظ المعلومات، بينما العالم من حولها يبحث عن أجيال تفهم وتبتكر وتستخدم التكنولوجيا.

الشهادة وحدها لم تعد كافية

هذه الحقيقة يجب أن تصل إلى كل بيت.

الشهادة الجامعية مهمة، لكنها لم تعد وحدها جواز المرور إلى الوظيفة.

اللغة، الحاسب، الذكاء الاصطناعي، التدريب العملي، القدرة على التواصل، التفكير النقدي، والعمل الجماعي؛ كلها أصبحت عناصر أساسية في المنافسة على الوظيفة.

وقد أصبح ربط التعليم الجامعي باحتياجات سوق العمل والتوسع في التعليم التكنولوجي والتطبيقي من الملفات المطروحة ضمن خطط تطوير التعليم العالي.

وهذا اتجاه مطلوب، لكن نجاحه يتوقف على التنفيذ الحقيقي، لا على الشعارات.

لا نريد أن نصنع موظفين فقط.. نريد أن نصنع إنسانًا قادرًا على صناعة فرصته

وهنا تأتي مسؤولية الدولة والجامعة والمدرسة والأسرة معًا.

نحن بحاجة إلى تعليم يحترم المعلم، ويمنح الطالب مهارات حقيقية، ويعيد الاعتبار للتعليم الفني، ويشجع المشروعات الصغيرة وريادة الأعمال، ويفتح الطريق أمام الموهوبين، ويجعل التكنولوجيا وسيلة للتقدم وليست مجرد مادة إضافية.

فالطالب الذي يتعلم كيف يصنع فرصة لنفسه سيكون أكثر قدرة على مواجهة المستقبل من الطالب الذي ينتظر وظيفة حكومية أو إعلانًا عن مسابقة تعيين.

رسالة إلى أولياء الأمور

لا تجعلوا أبناءكم يعيشون حياتهم في سباق مع أبناء الآخرين.

ليس المطلوب أن يصبح كل ابن طبيبًا أو مهندسًا أو صيدليًا.

المطلوب أن يصبح إنسانًا ناجحًا في المجال الذي يستطيع أن يبدع فيه.

فالمجتمع يحتاج الطبيب، لكنه يحتاج أيضًا الفني الماهر، والمبرمج، والمعلم، والمحاسب، والحرفي، والمزارع الحديث، ورائد الأعمال، والمبدع في كل المجالات.

قيمة الإنسان ليست في اسم الكلية التي تخرج منها، وإنما فيما يستطيع أن يقدمه لنفسه ومجتمعه.

وفي النهاية، فإن معركة المستقبل لن تكون بين طالب وطالب، ولا بين جامعة وأخرى، وإنما ستكون بين مجتمع يطور أبناءه باستمرار، ومجتمع يكتفي بمنحهم شهادات ثم يتركهم أمام المجهول.

لقد تغير العالم، وتغيرت الوظائف، وتغيرت أدوات العمل.

والسؤال الذي يجب أن نطرحه من الآن:

هل نُعد أبناءنا للمستقبل الذي نتمناه لهم، أم نُعدهم فقط للماضي الذي اعتدنا عليه؟.

زر الذهاب إلى الأعلى