صدى مصرمقالاتمنوعات

حياة.. أميرة مصر الجديدة التي أبكاها القدر

حياة.. أميرة مصر الجديدة التي أبكاها القدر

 

قلم / نورا سمير فرج

متابعة / عادل شلبي

بعدما نشرت قصة “هنادي.. فتاة من صعيد مصر”، رن هاتفي، كانت حياة.. صديقة العمر.

قالت لي بدلال: “كنت فاكرة إني هاقرأ قصتي أنا كمان في الأهرام”.

فابتسمت وقلت: “يا ريت”.

قالت: “وماله؟”

قلت: “بجد موافقة تحكي ؟”

قالت في خجل: “آه.. موافقة”.

وهنا.. تبدأ حكاية حياة.

كنا زهرات صغيرات في حديقة مدرسة راهبات الأرمن الكاثوليك بمصر الجديدة، المدرسة التي كانت تضم كل بنات الحي الراقي في ذلك الزمن الجميل. كنا نعيش ببراءة الملائكة، ولا نهاب في الدنيا إلا خطوات “سيستر تيدورا” مديرة المدرسة وهي تمر في طابور الصباح، نظارتها فوق أنفها وصوتها الحاسم: “جيب المريلة تحت الركبة.. ممنوع المانيكير.. ممنوع طلاء الأظافر”.

ورغم صرامتها العسكرية، كنا نعشقها عشقاً، كانت أشهر من محافظ القاهرة نفسه في شوارع مصر الجديدة.

تخرجنا من المدرسة، وظهرت نتيجة الثانوية العامة، وطارت كل شلة الأرمن الكاثوليك إلى نفس الجامعة. ذهبت لأبي أرجوه أن ألتحق بها، فوافق على الفور، كيف لا وهي جامعة شلتنا.

كانت الجامعة وقتها في حي الدقي، قبل أن ترحل إلى مدينة ٦ أكتوبر. وبين المحاضرة والأخرى كنا نتبادل الضحكات والأسرار.

وهنا انضمت إلينا “هنادي”.. فتاة الصعيد الجميلة، لتدخل شلة عرفت في الجامعة كلها بلقب واحد: “بنات مصر الجديدة”.

كنا مملكة مغلقة، لا نسمح لولد واحد أن يقترب من أسوارنا. وصدقاً كنا أجمل بنات الكلية، حاول الشباب بكل الحيل اختراقنا، لكن كان بيننا وبينهم سد.. لا.. بل سد عالي أكبر من سد أسوان.

وأنا بطبعي ألاحظ كل شيء، لاحظت أن حياة كانت مختلفة. كانت تمتلك جمالاً هادئاً، جمالاً راقياً يفوق جمال نجمات السينما في ذلك الوقت. خجولة، متواضعة، لكنها تحمل في عينيها جرأة غامضة، لذلك كنت دائماً أحاول أن أحميها بتعليمات الشلة.

بدأت ألاحظ أنها تتأخر ثوانٍ عند كل استراحة بين المحاضرات، وعيناها تبحث عن أحد.. حتى اكتشفت السر، اسمه “أمجد”.

وعرفت أنه أيضاً يتعمد أن يمر في طريقها بعد كل محاضرة، ليخطف منها كلمة.

كان طقسنا المقدس كل أسبوع هو سينما مترو، حفلة العاشرة صباحاً، نحجز صفاً كاملاً، كنا حوالي ١٠ إلى ١٢ فتاة. وفي كل مرة كنت أجد أمجد يجلس في الصف المجاور لنا.. صدفة ؟

سألتها مرة ضاحكة: “إيه حكاية أمجد ده؟ كل مرة في السينما ألاقيه؟”

فكانت تضحك وتجري وهي تقول: “يمكن صدفة”.

وحين عرفت أنها انكشفت، اقتربت مني أكثر، أصبحت أنا كاتمة أسرارها. كانت حكايتها معقدة، والدها ووالدتها منفصلان، وهي تعيش أسبوعاً عند الأب وأسبوعاً عند الأم، وهذا المناخ منحها حرية التليفون، تماماً كما كان يفعل عبد الحليم حافظ مع لبنى عبد العزيز في فيلم “الوسادة الخالية”.

ومرت السنوات، وظلت العلاقة بريئة، لا تتعدى همسات التليفون ونظرات سينما مترو مرة كل شهر.

وفجأة.. انقلبت الدنيا. توفيت والدة حياة.

عادت حياة لتعيش مع والدها، لكنها وجدت البيت قد تغير، فقد كان والدها قد تزوج قبلها بشهرين فقط. وجدت هناك سيدة أخرى تدير المنزل.. زوجة الأب.

وبالطبع لم تكن الزوجة سعيدة بقدومها، كانت تحلم أن تعيش مع زوجها وحدهما، بعدما كانت تستقبل حياة كضيفة يوماً في الأسبوع.

تحولت حياة في بيت أبيها إلى ضيفة غير مرغوب فيها، وهو أمر مألوف في مثل هذه الزيجات. بدأت المضايقات الصغيرة التي تجرح أكثر من الكبيرة.. ثلاجة غرفتها فارغة، بينما ثلاجة البيت عامرة بكل ما لذ وطاب، كلمات جارحة، نظرات باردة.

شعرت أنني يجب أن أقترب منها أكثر. كانت تبكي بصمت. وكلما زاد جفاء زوجة الأب، كلما اقتربت حياة أكثر من أمجد، كان هو كما تقول لي “الصدر الحنين”.

حتى أنني عرضت عليها أن تأتي لتعيش معي في غرفة الضيوف بشقتي حتى تنتهي الامتحانات، لكنها رفضت بعزة نفس.

وكنا في السنة الثالثة، وانشغلت أنا بحياتي ودراستي، لكن الله يعلم كم كنت أحاول أن أظل بجوارها.

وفجأة.. ظهرت مفاجأة لم تكن في الحسبان.

اكتشفت حياة أن والدتها الراحلة تركت لها ثروة كبيرة، وأنها الوريثة الوحيدة لكل شيء.

وهنا.. تبدلت الأقنعة.

زوجة الأب التي كانت تعاملها بجفاء، أصبحت فجأة الأم الحنون، تتودد إليها وتدللها. وحتى والدها الذي لم يدعها يوماً للغداء، أصبح يدعوها كل يوم إلى نادي الصيد.

شعرت حياة بالصدمة، وتحدثنا طويلاً.. فالأموال التي تركتها أمها كانت كافية لتشتري شقة خاصة بها، وتبدأ حياة جديدة، بعيداً عن ذل زوجة الأب.

فهل تشتري حياة حريتها بالمال ؟ وهل سيبقى أمجد هو الصدر الحنين بعد أن أصبحت مليونيرة ؟

هذا ما سنعرفه في الحلقة القادمة من حكاية أميرة مصر الجديدة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى