أدب وثقافةمقالاتمنوعات

حين تخسر الإنسان الطيب.. تكتشف أن بعض الخسارات لا تُعوَّض

 

حين تخسر الإنسان الطيب.. تكتشف أن بعض الخسارات لا تُعوَّض

 

بقلم/ ممدوح عكاشة

ليست كل الخسارات متساوية؛ فهناك أشياء إذا فقدناها نستطيع أن نشتري غيرها، وأماكن يمكن أن نجد لها بديلًا، وأبواب تُغلق في وجوهنا ثم تُفتح أبواب أخرى، لكن الإنسان الطيب صاحب المعدن الأصيل لا يأتي منه الكثير، وإذا خسرته فقد خسرت شيئًا يصعب أن تجد له بديلًا.

فإن كنت ولا بد خاسرًا، فإياك أن تخسر إنسانًا عرفته كريمًا في مشاعره، نبيلًا في مواقفه، صادقًا في حديثه، حاضرًا وقت الشدة، لا يتغير عليك بتغير الظروف، ولا يحسب ما يقدمه لك بالورقة والقلم.

الإنسان الأصيل لا يُقاس بما يملكه، وإنما بما يمنحه لمن حوله.

قد تجد شخصًا يملك الكثير، لكنه لا يمنحك إلا القليل، وقد تجد إنسانًا بسيطًا لا يملك إلا قلبه، لكنه يمنحك من الاهتمام والاحتواء والصدق ما لا تستطيع أموال الدنيا أن تشتريه.

والمؤلم أن البعض لا يعرف قيمة الإنسان إلا بعد أن يفقده.

يعتاد وجوده، ويظن أن تسامحه ضعف، وأن صمته رضا، وأن اهتمامه واجب، وأن قلبه سيظل مفتوحًا مهما فعلوا. ثم يأتي يوم يقرر فيه هذا الإنسان أن يبتعد، ليس لأنه لم يعد يحب، وإنما لأنه تعب من أن يعطي دون أن يُقدَّر.

وهنا تبدأ الحقيقة في الظهور.

تبحث عنه في الآخرين، فتجد أشخاصًا يشبهونه في الشكل، لكن ليس في الجوهر. تجد من يتحدث كثيرًا ولا يفعل، ومن يقترب لمصلحة، ومن يختفي عند الحاجة، ومن يبتسم أمامك ويحمل لك في قلبه شيئًا آخر.

وعندها تدرك أن الإنسان الذي كنت تظنه عاديًا كان في الحقيقة استثناءً نادرًا.

لا تخسر إنسانًا طيبًا بسبب لحظة غضب، ولا تفرط في شخص مخلص بسبب خلاف يمكن إصلاحه، ولا تجعل الكبرياء يمنعك من الاعتذار لمن يستحق الاعتذار.

فبعض العلاقات يمكن إصلاحها بكلمة صادقة، وبعض القلوب يمكن أن تعود إليها الحياة بمجرد أن يشعر صاحبها أنك أدركت قيمته.

لكن احذر أن تجعل طيبة الإنسان سببًا في إهانته، أو تسامحه ذريعة لتكرار أخطائك بحقه.

فالإنسان الطيب قد يسامح كثيرًا، لكنه حين يصل إلى النقطة التي يشعر فيها أنه لم يعد مُقدَّرًا، قد يرحل بهدوء… وحين يرحل الإنسان الأصيل، لا يترك وراءه فراغًا فقط، بل يترك درسًا قاسيًا في معنى الخسارة.

ستبحث بعده عن شخص يفهمك دون أن تشرح، ويقف بجانبك دون أن تطلب، ويحفظ غيابك كما يحفظ حضورك، ويفرح لفرحك دون غيرة، ويحزن لحزنك دون مصلحة.

وقد تجد أشخاصًا كثيرين، لكنك لن تجد بسهولة ذلك القلب الذي كان يطمئنك بمجرد وجوده.

لذلك، لا تنتظر رحيل الطيبين حتى تعرف قيمتهم.

قدّر من يحبك الآن، واشكر من يقف بجانبك الآن، واحتضن العلاقات الصادقة قبل أن تصبح مجرد ذكريات.

فالحياة لا تعطي الإنسان دائمًا فرصة ثانية، وبعض الأشخاص إذا خرجوا من حياتك، فلن تستطيع الأيام أن تعيدهم كما كانوا.

وفي النهاية…

لا تخسر إنسانًا طيبًا لأنك ظننت أن أمثاله كثيرون؛ فالأشخاص الطيبون قد يكونون حولنا، لكن أصحاب القلوب النقية والمعدن النفيس نادرون جدًا.

وإذا وجدت إنسانًا صادقًا، كريم النفس، نبيل الموقف، فلا تختبر صبره كثيرًا… فقد تخسره مرة، ثم تقضي بقية عمرك تبحث عن شخص يشبهه، ولا تجده.

 

زر الذهاب إلى الأعلى