مقالات

حين يصبح العلم جسرًا للسلام

حين يصبح العلم جسرًا للسلام

ليس السلام أن تصمت البنادق فقط، ولا أن تخلو الشوارع من أصوات الانفجارات، ولا أن تتوقف الخصومات عند حدود الكلمات.

السلام أعمق من ذلك بكثير.

السلام هو أن يستطيع الإنسان أن يختلف دون أن يكره، وأن يحاور دون أن يُقصي، وأن يتعلم دون أن يحتقر من لا يعرف، وأن يستخدم ما وهبه الله من علم وقدرة في بناء الحياة لا في هدمها.

ولعل أخطر ما يهدد السلام ليس دائمًا السلاح، وإنما الجهل؛ لأن الإنسان حين يجهل الآخر قد يخاف منه، وحين يخاف منه قد يكرهه، وحين يكرهه يصبح مستعدًا لأن يرفضه قبل أن يفهمه.

من هنا يبدأ الدور الحقيقي للعلم والمعرفة.

فالعلم لا يمنحنا إجابات عن أسئلة الحياة فحسب، بل يعلمنا كيف نسأل، وكيف نبحث، وكيف نختلف، وكيف نراجع أفكارنا دون أن نشعر أن الاعتراف بالخطأ هزيمة.

والإنسان المتعلم ليس بالضرورة من يحفظ أكبر عدد من المعلومات، وإنما من يمتلك القدرة على رؤية الإنسان في الإنسان، مهما اختلف عنه في اللغة أو الثقافة أو اللون أو الأفكار.

المعرفة تفتح النوافذ التي يغلقها التعصب.

وحين نعلم أبناءنا أن الاختلاف ليس خطرًا، وإنما فرصة للتعلم، فإننا لا نربي جيلًا أكثر علمًا فقط، بل نربي جيلًا أكثر قدرة على صناعة السلام.

فالمدرسة، مثلًا، ليست مكانًا لتعليم القراءة والكتابة والعلوم وحدها؛ إنها أول مجتمع صغير يتعلم فيه الطفل كيف يعيش مع المختلف عنه. فيها يتعلم أن زميله قد يفكر بطريقة أخرى، وأن هذا الاختلاف لا يمنحه الحق في السخرية منه أو إقصائه.

وهنا يصبح التعليم مشروعًا للسلام قبل أن يكون مشروعًا للدرجات والشهادات.

لكن مسؤولية صناعة السلام لا تقع على المدرسة وحدها.

فالجامعة، ومراكز البحث، والإعلام، ومؤسسات المجتمع المدني، والأسرة، وحتى منصات التواصل الاجتماعي، جميعها تشارك في تشكيل وعي الإنسان.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة تصل إلى ملايين البشر خلال ثوانٍ، لم يعد السؤال: هل نملك المعرفة؟

بل أصبح السؤال الأخطر:

ماذا نفعل بالمعرفة التي نملكها؟

هل نستخدمها لنشر الحقيقة أم الشائعة؟

للتقريب أم للتحريض؟

للحوار أم لصناعة الكراهية؟

لخدمة الإنسان أم لتحقيق مصالح ضيقة؟

إن التكنولوجيا في حد ذاتها ليست سلامًا، كما أنها ليست صراعًا؛ إنها أداة، والإنسان هو من يحدد اتجاهها.

يمكن لمنشور صغير أن يفتح بابًا للحوار بين أشخاص لم يلتقوا من قبل، ويمكن لمبادرة رقمية أن تجمع متطوعين لإنقاذ حياة أو مساعدة أسرة أو تعليم طفل.

وفي المقابل، يمكن للكلمة نفسها أن تتحول إلى شرارة خلاف إذا غاب عنها الوعي والمسؤولية.

لذلك فإن السلام في العصر الحديث يحتاج إلى أخلاق رقمية بقدر ما يحتاج إلى قوانين.

نحتاج أن نعلم أبناءنا أن خلف كل شاشة إنسانًا له مشاعر وكرامة، وأن الاختلاف في الرأي لا يحول الآخر إلى عدو.

نحتاج أن نعيد للحوار قيمته.

فالحوار الحقيقي لا يعني أن أقنعك بما أؤمن به، وإنما أن أستمع إليك بما يكفي لأفهم لماذا تؤمن بما تؤمن به.

وقد لا نصل في نهاية الحوار إلى رأي واحد، لكننا نستطيع أن نصل إلى شيء أكثر أهمية: الاحترام.

ومن الاحترام يبدأ السلام.

كما أن السلام لا ينفصل عن التنمية.

فلا يمكن أن نتحدث عن مجتمع آمن ومستقر بينما يعاني إنسان من الفقر أو الجهل أو التهميش، ولا يمكن أن نطالب الشباب ببناء المستقبل دون أن نوفر لهم فرصة حقيقية للتعلم والعمل والمشاركة.

إن التنمية المستدامة ليست مجرد مشروعات ومبانٍ وطرق، وإنما هي استثمار في الإنسان.

أن تعطي طفلًا فرصة للتعليم، فأنت لا تغير يومه فقط؛ ربما تغير مستقبل أسرة كاملة.

أن تدعم شابًا يمتلك فكرة لخدمة مجتمعه، فأنت لا تساعد فردًا واحدًا؛ أنت تفتح بابًا لمبادرة يمكن أن تصل آثارها إلى مئات الأشخاص.

أن تمنح امرأة فرصة للتعلم والعمل والإبداع، فأنت تستثمر في أسرة ومجتمع ومستقبل.

وهكذا يصبح العمل الإنساني جزءًا أصيلًا من صناعة السلام، لأن الإنسان الذي يشعر أن مجتمعه يراه ويسمعه ويؤمن بقدرته على العطاء، يصبح أكثر انتماءً إليه وأكثر استعدادًا لحمايته وبنائه.

إن أجمل ما في السلام أنه ليس مشروعًا مؤجلًا إلى أن يتفق الجميع، بل ممارسة نستطيع أن نبدأها الآن.

يمكن أن تبدأ من معلم يختار أن يسمع طالبًا بدلًا من أن يحكم عليه.

ومن أب وأم يعلمان أبناءهما أن الرحمة قوة وليست ضعفًا.

ومن شاب يقرر أن يستخدم هاتفه لنشر معرفة بدلًا من نشر كراهية.

ومن باحث يضع علمه في خدمة المجتمع.

ومن صحفي يختار الحقيقة بدلًا من الإثارة.

ومن مواطن يرى في مساعدة جاره واجبًا إنسانيًا لا فضلًا شخصيًا.

ومن إنسان يختلف مع آخر، لكنه يرفض أن يحوله اختلافه إلى عداوة.

ربما لا نستطيع أن نغير العالم كله في يوم واحد.

لكننا نستطيع أن نغير الدائرة التي نعيش فيها.

ومن دائرة صغيرة قد تبدأ حكاية كبيرة.

فالسلام ليس شعارًا نعلقه على الجدران، ولا كلمة جميلة نرددها في المناسبات.

السلام قرار.

قرار أن نختار المعرفة بدل الجهل، والحوار بدل الصدام، والتسامح بدل الانتقام، والعمل بدل الشكوى، والبناء بدل الهدم.

والعلم هو أحد أعظم مفاتيح هذا القرار؛ لأنه يمنح الإنسان القدرة على أن يرى أبعد من خوفه، وأن يفكر أبعد من حدود تجربته، وأن يكتشف أن ما يجمع البشر أكبر بكثير مما يفرقهم.

وفي النهاية، ربما لا يكون أعظم إنجاز يمكن أن يتركه الإنسان خلفه هو ما جمعه من مال أو شهرة أو مناصب، وإنما الأثر الذي تركه في حياة الآخرين.

أن تجعل إنسانًا يتعلم.

أن تجعل قلبًا يطمئن.

أن تمنح شخصًا فرصة.

أن تصل بين اثنين فرقهما سوء الفهم.

أن تزرع فكرة تنمو بعد رحيلك.

أن تترك في هذا العالم مساحة صغيرة أكثر إنسانية مما وجدتها.

ذلك هو السلام الذي يستحق أن نحلم به.

سلام يبدأ من العقل بالمعرفة، ويمر بالقلب بالتسامح، ويصل إلى المجتمع بالحوار والعمل، ثم يتحول إلى مستقبل يستطيع فيه الإنسان أن يعيش مختلفًا دون أن يكون خائفًا، وأن يختلف دون أن يكون عدوًا، وأن يتقدم دون أن يترك أحدًا خلفه.

فإذا كان العالم يبحث عن سفير للسلام، فليكن كل واحد منا سفيرًا له في مكانه.

لأن أجمل ما يمكن أن نتركه في الحياة…

ليس أن نكون مررنا بها، بل أن نترك بصمة سلام في وجدان الإنسانية.
بقلم الكاتبة دعاء شعبان

زر الذهاب إلى الأعلى