خير الزمن الجميل.. حين كان القليل كثيرًا بالبركة
بقلم: ممدوح عكاشة
لم يكن الخير في الزمن الماضي كثيرًا كما هو اليوم، ولم تكن الدخول مرتفعة، ولا كانت الحياة تملك من وسائل الراحة ما نملكه الآن، لكن شيئًا واحدًا كان يحيط بكل شيء ويمنحه قيمته الحقيقية: البركة.
كانت الحياة بسيطة، والإمكانات محدودة، لكن القلوب كانت أوسع، والنفوس أكثر رضا، والجيران أقرب إلى بعضهم، وكانت كلمة «خير» تعني فعلًا شيئًا يُمارس في الحياة، لا مجرد كلمة تُقال.
أتذكر في الزمن الجميل صاحب الدكان حين كان يستفتح متجره في الصباح، فإذا رأى زميلًا له لم يفتح دكانه بعد، وجاءه أول زبون، يقول له بكل بساطة: «اذهب إلى فلان، فهو لم يستفتح بعد».
لم يكن يفكر وقتها: سأخسر هذا الزبون!
كان يفكر: أخي وجاري أولى بالرزق مني اليوم.
كان يؤمن أن الرزق ليس حلبة صراع، وأن ما كتبه الله لك لن يأخذه غيرك.
وأتذكر الفلاح بعد انتهاء موسم الحصاد، حين كان يجمع محصوله من القمح أو الذرة أو غيرهما، فيُخرج حق الله فيه قبل أن يحمل محصوله إلى بيته. كان يعرف أن في ماله حقًا للفقراء والمحتاجين، فيحجز ما عليه من زكاة، ثم يوزعها على أهله وجيرانه ومن يعرف حاجتهم.
لم يكن ينتظر جمعية خيرية، ولا حملة إعلانية، ولا تصويرًا أمام الكاميرات.
كان يفعل الخير لأن الله يراه.
وأتذكر المرأة الريفية التي كانت تستقبل العيد بقلب ممتلئ بالفرحة، فتقوم بحلب مواشيها، ثم تجعل لكل أسرة من الأسر المحتاجة نصيبًا من اللبن، فتقول: هذه الأسرة اليوم، وتلك غدًا، وغيرها بعد غد.
كانت تملك القليل، لكنها كانت تعرف كيف تجعل من القليل خيرًا كثيرًا.
لم تكن تقول: أنا محتاجة مثلهم.
بل كانت تقول في صمت: «ومن شكر نعمة الله أن تعطي منها غيرك».
والأجمل من ذلك أن البيوت قديمًا كانت تجمع أحيانًا أربعة أو خمسة رجال متزوجين، لكل واحد زوجته وأولاده، في بيت واحد، وحجرة لكل أسرة، وحمام واحد للجميع.
كانت الإمكانات محدودة، والمساحة ضيقة، لكن القلوب كانت تتسع للجميع.
كان الكبير يحترم الصغير، والصغير يوقر الكبير، والمرأة تعرف أن أهل زوجها أهلها، والرجل يعرف أن زوجته ليست طرفًا في معركة مع أسرته.
لم تكن البيوت خالية من المشكلات، فالاختلاف موجود في كل زمان، لكن كان هناك شيء نفتقده اليوم: الرغبة في الحفاظ على الود.
أما اليوم، فقد زادت الإمكانات، وكثرت الأموال، واتسعت البيوت، وأصبح لكل أسرة شقة مستقلة، وربما لكل فرد غرفة، وأصبح لدينا من وسائل الراحة ما لم يكن أجدادنا يحلمون به.
لكن السؤال الذي يؤلم القلب:
أين ذهبت البركة؟
لماذا أصبح الإنسان يمتلك أكثر، لكنه يشعر أنه يحتاج إلى المزيد دائمًا؟
لماذا أصبح البعض يستخسر في جاره كوز ذرة، أو شيئًا من محصول أرضه، أو بعض اللبن، بعدما كانت مثل هذه الأشياء تُعطى بمحبة ودون حساب؟
قد يقول البعض إن الظروف تغيرت، وهذا صحيح، لكن الظروف وحدها ليست كل الحكاية.
لقد تغيرت نظرتنا إلى النعمة.
قديمًا كان الإنسان يرى ما عنده نعمة من الله، فيحمده عليها ويشارك غيره فيها.
أما اليوم، فكثيرون ينظرون إلى ما عند غيرهم قبل أن ينظروا إلى ما في أيديهم، فأصبح القليل لا يكفي، والكثير لا يشبع.
وليس معنى هذا أن كل إنسان في زماننا سيئ، أو أن الماضي كان خاليًا من الأنانية والمشكلات؛ فكل زمن فيه الصالح والطالح.
لكن الفرق أن قيم التكافل والرحمة والجيرة كانت أكثر حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية.
كان الخير عادة، لا مناسبة.
وكانت الصدقة سلوكًا، لا منشورًا على مواقع التواصل.
وكانت المحبة تُمارس، لا تُكتب فقط.
ولذلك ربما كان القليل يكفي.
فالبركة ليست في كثرة ما نملك فقط، وإنما في رضانا عنه، وحسن استخدامه، ومشاركة الآخرين فيه، وأداء حق الله فيه.
قد يكون بيت الأمس صغيرًا، لكنه كان كبيرًا بالمحبة.
وقد تكون المائدة متواضعة، لكنها كانت عامرة بالرضا.
وقد يكون دخل الأسرة محدودًا، لكنها كانت تعرف كيف تدبره.
وقد يكون محصول الفلاح قليلًا، لكنه كان يعرف أن لجاره نصيبًا، وللفقير حقًا، ولله شكرًا.
أما اليوم، فقد نملك أكثر مما كانوا يملكون، ومع ذلك نشكو من قلة الرزق.
وهنا لا بد أن نتوقف ونسأل أنفسنا: هل مشكلتنا فعلًا في قلة الخير، أم في غياب البركة؟
البركة لا تعني أن تمتلك القليل فقط، وإنما أن تشعر أن القليل يكفيك، وأن يكون في مالك نفع لك ولغيرك، وأن تجد في بيتك السكينة، وفي علاقاتك المودة، وفي قلبك الرضا.
فالخير الحقيقي ليس أن يكون لديك الكثير، وإنما أن يكون لما لديك أثر طيب في حياة الآخرين.
رحم الله زمنًا لم يكن فيه الناس أغنى منا، لكنه كان في كثير من الأحيان أغنى بالقلوب.
رحم الله أيامًا كان الجار فيها يعرف جاره، والقريب يعرف حق قريبه، والفلاح يعرف حق أرضه، وصاحب المال يعرف حق الفقير، وكان الإنسان يفرح عندما يطعم غيره كما يفرح عندما يأكل هو.
ربما لن نستطيع أن نعيد الزمن الجميل كما كان، لكن نستطيع أن نعيد قيمه.
أن نعيد الجيرة، والرحمة، والستر، وصلة الرحم، وإكرام الضيف، وإطعام المحتاج، ومشاركة النعمة، وحسن الظن، والرضا، وشكر الله.
فإذا عادت هذه القيم إلى بيوتنا وقلوبنا، ربما عاد معها ما نفتقده منذ سنوات…
البركة.
وفي النهاية، ليست رسالتي أن نقول إن الماضي كان جنة، ولا أن الحاضر كله شر، وإنما أن نتعلم من الماضي ما فقدناه في الحاضر.
فقد نحتاج اليوم إلى أن نمتلك أقل قليلًا، ونحب بعضنا أكثر.
لأن المال يمكن أن يملأ البيت أشياءً كثيرة…
لكن البركة وحدها هي التي تملأه راحةً ورضا وسكينة.
لنا الله… ولعلنا نعود يومًا إلى خيرٍ كان يسكن في القلوب قبل أن يسكن في الجيوب.







