أدب وثقافة

رواية ميراث الخطيئة. بقلم : عماد نويجي

الفصل الخامس ( بيت الأستاذ جلال )

رواية ميراث الخطيئة

 

بقلم : عماد نويجي

الفصل الخامس ( بيت الأستاذ جلال )

كان الأستاذ جلال واحدا من أولئك الرجال الذين يعتقد الناس أنهم لا يخطئون لأنهم قضوا أعمارهم في تعليم الآخرين كيف يميزون بين الصواب والخطأ

أمضى أربعين عاما بين الفصول الدراسية وخرج من تحت يديه أطباء ومهندسون وموظفون وأناس لا يحملون من الدنيا سوى شهادة صغيرة وذكرى معلم كان يؤمن أن الكلمة الطيبة قد تنقذ إنسانا من طريق مظلم

لكن الحياة لا تحترم دائما المبادئ التي نعلمها للآخرين

في تلك الليلة دخل ابنه سامح إلى البيت متأخرا

لاحظ الأب ارتباكه وسأله عن سبب تأخره

قال سامح

كنت عند واحد صاحبي

وأوراق الجمعية الزراعية اللي لقيتها في درجك كانت بتعمل إيه في عربيتك

تغير وجه سامح

إنت فتشت حاجتي

أنا ما فتشتش حاجة أنا لقيت ورقا باسم ناس من القرية وعليه توقيعات مش مطابقة للتوقيعات الأصلية

جلس سامح وأشاح بوجهه

أنا ما زورتش حاجة بنفسي

نهض الأستاذ جلال

يعني إيه

فيه ناس طلبت مني أساعدهم في استخراج صور من الملفات وأنا عملت اللي قالوا عليه

مين الناس دي

صمت سامح

ضرب الأستاذ جلال بيده على الطاولة

مين يا سامح

رفع ابنه رأسه وقال

رجالة فؤاد الشربيني

شعر الأستاذ جلال بأن الأرض انسحبت من تحت قدميه

كان يعرف أن بعض الأوراق المتعلقة بأراضي القرية اختفت قبل سنوات وأن شهادته القديمة في قضية سالم البدري ساعدت المحكمة على إدانة الرجل

لكنه لم يتخيل أن ابنه سيكون يوما جزءا من شبكة التزوير نفسها

قال بصوت خافت

إنت فاهم إنت عملت إيه

أنا ما كنتش أعرف إن الموضوع كبير كده

كل واحد بيبدأ جريمته وهو فاكر إنها صغيرة يا سامح وبعدين يصحى يلاقي نفسه غرقان

جلس سامح أمام أبيه وبكى

أنا كنت محتاج فلوس

كنت عايز أتجوز وأفتح مكتب محاسبة وأثبت نفسي

اقترب منه الأستاذ جلال لكنه لم يربت على كتفه

كان يشعر بأن أي مواساة الآن ستبدو كأنها تبرير

سأله

الورق اللي عندك لسه موجود

أيوه

هاته بكرة

هتعمل بيه إيه

هحاول أصلح اللي تقدر تصلحه قبل ما يبقى الوقت فات

قال سامح مذعورا

لو الورق ظهر فؤاد مش هيسيبني

نظر إليه الأب بحزن

ولو الورق ما ظهرش هتقدر تبص في عيني طول عمرك

لم يجب سامح

وفي تلك الليلة بقي الأستاذ جلال مستيقظا حتى الفجر وهو يتذكر وجه سالم البدري يوم وقف في المحكمة ينظر إليه كأنه يسأله كيف يستطيع رجل قضى عمره يعلم الأطفال الأمانة أن يشهد زورا على إنسان بريء

كان الأستاذ جلال قد أقسم يومها أنه يقول الحقيقة

لكنه لم يقلها كاملة

والآن عادت الحقيقة تطالب بحسابها

زر الذهاب إلى الأعلى