شيرين عبد الوهاب..
حين يصبح طريق العودة إلى المسرح أصعب من الغياب
بقلم / ممدوح عكاشة
هناك أصوات لا تمر على الأذن مرورًا عابرًا، بل تستقر في الذاكرة والوجدان. ومن بين هذه الأصوات تأتي شيرين عبد الوهاب، الفنانة التي ارتبط اسمها لدى ملايين العرب بالإحساس والصدق والقدرة على تحويل الكلمات إلى مشاعر حقيقية.
لكن شيرين اليوم تقف أمام اختبار مختلف؛ فالمشكلة لم تعد في امتلاك صوت جميل، ولا في وجود جمهور ينتظرها، وإنما في قدرتها على استعادة الاستقرار والثقة والانسجام مع المسرح من جديد.
بعد فترة طويلة من الغياب والأزمات، بدأت شيرين محاولات العودة إلى الساحة الفنية، وطرحت أعمالًا جديدة، من بينها «الحضن شوك»، ثم «تباعًا تباعًا»، وظهرت أيضًا في «بحرية» مع محمد حماقي.
واللافت أن شيرين نفسها تحدثت عن عودتها باعتبارها محاولة لإثبات أنها ما زالت قادرة على الحياة والنجاح والاستمرار، وقالت إنها عولجت من أمور كانت تؤلمها وتكسرها.
لكن العودة إلى الغناء ليست مجرد العودة إلى الاستوديو وتسجيل أغنية جديدة.
المسرح له رهبة مختلفة، والجمهور لا يسمع الصوت فقط؛ بل يراقب الحضور، والتركيز، والقدرة على تذكر الكلمات، والتفاعل مع الفرقة الموسيقية، والسيطرة على اللحظة.
ولهذا فإن تكرار التعثر أو نسيان بعض كلمات الأغاني في محاولات الظهور من جديد يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل تحتاج شيرين إلى مزيد من الوقت قبل أن تعود بكل قوتها؟
هنا يجب أن نتوقف عن تحويل كل تعثر إلى مادة للسخرية.
فالفنان في لحظة ضعفه ليس مجرد شخصية مشهورة، وإنما إنسان يمكن أن يمر بظروف قاسية ويحتاج إلى من يساعده لا إلى من يحاصره بالأحكام.
شيرين ليست مطالبة بأن تثبت للجمهور في ليلة واحدة أنها عادت كما كانت.
فهي صاحبة تاريخ طويل من الأغاني التي صنعت مكانتها، والجمهور الذي أحبها لا يحتاج إلى اختبارها في كل ظهور، بل ربما يحتاج إلى أن يمنحها شيئًا من الصبر.
وفي المقابل، فإن الحب الحقيقي للفنان لا يعني المجاملة.
إذا كانت العودة لا تزال تحتاج إلى مزيد من الاستعداد، فمن الأفضل أن تحصل شيرين على الوقت الكافي حتى تعود وهي أكثر ثباتًا وثقة، بدلًا من أن تدخل في مواجهة متكررة مع المسرح قبل أن تكون مستعدة تمامًا.
الفن ليس سباقًا.
والصوت الذي أمتع الناس سنوات لا يفقد قيمته بسبب لحظة ارتباك، كما أن النجومية الحقيقية لا تقاس بعدد الحفلات التي يقدمها الفنان، وإنما بما يتركه من أثر في وجدان الناس.
شيرين اليوم أمام فرصة جديدة، وربما تكون هذه الفرصة أهم من كل ما سبقها: أن تعود بهدوء، وبلا استعجال، وبلا ضغط، وبلا محاولة لإرضاء الجميع.
لقد أثبتت الأيام أن الجمهور قد يسامح الفنان في خطأ، لكنه لا ينسى الصدق.
ولعل شيرين تحتاج الآن إلى أن تتذكر قبل كلمات أغانيها شيئًا أهم: أن جمهورها لم يحبها لأنها كانت بلا أخطاء، وإنما أحبها لأنها كانت حقيقية.
فإذا عادت شيرين إلى المسرح وهي مطمئنة، مستقرة، واثقة، فقد لا تكون عودتها مجرد عودة مطربة إلى الغناء، وإنما عودة إنسانة انتصرت على مرحلة صعبة من حياتها وقررت أن تبدأ من جديد.
ويبقى السؤال الذي ستجيب عنه الأيام:
هل تستطيع شيرين عبد الوهاب أن تستعيد شيرين التي أحبها الجمهور؟
الإجابة ليست في أغنية واحدة، ولا في حفلة واحدة، وإنما في رحلة العودة كاملة.
فبعض النجوم يحتاجون إلى التصفيق حتى يواصلوا الطريق، أما بعضهم فيحتاجون أولًا إلى أن يجدوا أنفسهم من جديد.
**وشيرين.. ربما تحتاج فقط إلى الوقت، حتى تعود إلينا لا كما كانت، بل كما تريد هي أن تكون.**







