صاحب المكانة العالية عند الله تعالي
بقلم / محمـــد الدكـــروري
الحمد لله رب العالمين الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله، ولو كره المشركون وكفى بالله شهيدا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارا به وتوحيدا، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد فإن شرف الشهادة في الدفاع عن الوطن لا يحصره قلم، ولا يصفه لسان، ولا يحيط به بيان، وإن للشهيد عند الله مكانة عالية ودرجات رفيعة، علمها الشهداء فتمنوا الرجوع إلى الدنيا فيقتلوا مرارا، لما أيقنوه من الكرامة والرفعة، فدماء الشهداء أحب شيء إلى الله، ودماءهم ريحها ريح المسك، ويحبهم الله تعالي ويضحك إليهم ويستبشر بهم، ولا يجدون ألم القتل، وتظلهم الملائكة ولا يفتنون في قبورهم ولا يصعقون في نفخة الصور.
وتجرى عليهم أعمالهم، واعد الله تعالي لهم أعلى المقامات وارفعها فهم أول من يدخلون الجنة وهم أحياء عند ربهم يرزقون وإن للشهيد دار ما أحسن منها وأرواحهم في جوف طير خضر تسرح في الجنة وهم في الفردوس الأعلى، وإننا أبدا لن ننسى دماء الشهداء على مر التاريخ، دماء الشهداء التي حفرت على جدار التاريخ المجد للبلاد والعباد، وكما إننا لا ننسى ابدآ حماة وطننا، ولا ننسى أبدا الشهداء الذين قدموا أرواحهم من اجل حرية وكرامة الوطن، ولا شك أن من أقل أقل حقوق هؤلاء الشهداء على أبناء الوطن تخليد أسماءهم، وذكراهم وليس في سجلات التاريخ فحسب، بل في كل قلب وعلى كل لسان، ليس من قبيل سرد البطولات التي قاموا بها فحسب، بل من أجل أن يكونوا نموذجا للاقتداء بهم.
وحافزا للأجيال بعدهم على التضحية من أجل الوطن، ورفعته وتقدمه وحريته، وإن من حب الوطن فقد كانت العرب إذا غزت وسافرت حملت معها من تربة بلادها رملا وعفرا أى ترابا، حتى تستنشقه عند نزلة أوزكام أو صداع، لذلك كانت السيدة عائشة رضي اله عنها دائما تقول “ما رأيت القمر أبهي ولا أجمل مما رأيته في مكة” وذلك كناية علي حبها وعشقها وشدة حنينها للوطن، فإن الوطن هو بضع أحرف تكون كلمة صغيرة في حجمها، ولكنها كبيرة في المعنى، فالوطن هو بمثابة الأم والأسرة، وهو الحضن الدافئ لكل مواطن على أرضه، وهو المكان الذي نترعرع على أرضه، ونأكل من ثماره ومن خيراته، فمهما ابتعدنا عنه يبقى في قلوبنا دائما، هو الأرض التي نبت فيها الإنسان وترعرع.
والسماء التي أظلته، والهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يشربه، والخير الذي يأكل منه، وقد تغنى الشعراء بحب الوطن، فقال أحد الشعراء، وطنى نشأت بأرضه ودرجت تحت سمائه ومنحت صدري قوة بنسيمه وهوائه ماء الحياة شربته لما ارتويت بمائه وملأت جسمى عزة حين اغتذى بغذائه ولذلك يجب أن نحافظ على وطننا بالدفاع عنه وقت الخطر، وحمايته من كيد الأعادي، وفي وقت السلم نعمل مخلصين لرفع علم بلادنا عاليا، وفي الحرب نهب للدفاع عن الوطن ونقدم أرواحنا فداء له، وإن حب الوطن شعور كم خفقت به القلوب وشوق كم كلفت به الأفئدة وحنين يزلزل مكامن الوجدان، وحب أطلق قرائح الشعراء وهوى سُكبت له محابر الأدباء وحنين أمض شغاف القلوب وإلف يأوي إليه كرام النفوس وسليم الفطر.
وحب لم يتخل منه مشاعر الأنبياء وود وجد في قلوب الصحابة والأصفياء، بل هو شعور تغلغل في دواخل الحيتان تحت الماء ورفرفت لأجله أجنحة الطير في السماء، إنه أيها المسلمون حب الأوطان، فقال أهل الأدب إذا أردت أن تعرف الرجل فانظر كيف تحنته إلى أوطانه وتشوقه إلى إخوانه وبكاؤه على ما مضى من زمانه، وإن المحبة للأوطان والانتماء للأمة والبلدان أمر غريزي وطبيعة طبع الله النفوس عليها.








