أدب وثقافةمقالات

غادة عثمان.. تأملات أدبية.. ” أوسكار وايلد ” وأنشودة ” سجن ريدنغ “

” أوسكار وايلد ” وأنشودة ” سجن ريدنغ “

 

بقلم / غادة عثمان

 

*كلُّ إنسانٍ يقتلُ ما يُحبّ؛

فليسمعِ الجميعُ هذا القول:

منهم مَن يقتله بنظرةٍ قاسية،

ومنهم مَن يقتله بكلمةٍ معسولة؛

الجبانُ يقتله بقُبلة،

والشجاعُ يقتله بسيف.

فكلُّ إنسانٍ يقتلُ ما يُحبّ، ولكن ليس كلُّ إنسانٍ يدفعُ حياتَه ثمنًا لذلك .*

–  أوسكار وايلد، «أنشودة سجن ريدنغ»…

وراء هذه الأبيات امرأةٌ قُتلت، ورجلٌ انتهت حياتُه على المشنقة، وكاتبٌ نجا من السجن وظلّ شيءٌ منه حبيسَ جدرانه. ومن تلك المصائر المتشابكة خرجت قصيدةٌ ما زالت كلماتُها تمسّ فينا مواضعَ الوجع.

كان ذلك الكاتب أوسكار وايلد، الأيرلندي المولود في دبلن عام 1854، وصاحب «صورة دوريان غراي» و«الأمير السعيد»؛ وقد قادته الحياة من شهرةٍ صنعتها براعته وسخريته إلى عزلةٍ سيكتب أثرها بعد خروجه.

في عام 1895 حُكم على وايلد بالسجن عامين مع الأشغال الشاقة. وفي نوفمبر وصل إلى سجن ريدنغ حيث توالت عليه أيامٌ من الصمت والعزلة والعمل الشاق، تركت آثارها في جسده وجعلت الانتظار أثقل ما في يومه. وبعد أشهر دخل السجنَ رجلٌ ستترك نهايتُه أثرًا عميقًا فيه، وتصبح حكايتُه نواةَ القصيدة.

كان ذلك الجندي تشارلز توماس وولدريدج، الذي أُدخل السجن في الثلاثين من مارس عام 1896 بعد يومٍ من قتله زوجته إيلين. عاش الزوجان معظم فترة زواجهما منفصلين وسط خلافاتٍ انتهت بطلبها منه ألّا يزورها مجددًا. وبعد الجريمة سلّم نفسه إلى الشرطة معترفًا بما فعل. وتحدّث عن غضبه وشكّه في خيانتها؛ وهي شكوكٌ وردت على لسانه ولم تثبت صحّتها.

صدر حكم الإعدام في يونيو ولم تفلح التماسات الرحمة في إنقاذه. وفي السابع من يوليو عام 1896 اقتيد إلى المشنقة ونُفّذ فيه الحكم.

كان وايلد قد رآه من بعيد بين جدران السجن وإن لم يشهد لحظة إعدامه. غير أن صورة الرجل وهو ينتظر موتَه ظلت عالقةً في ذاكرته حتى أصبح مصيره محور «أنشودة سجن ريدنغ» التي كتبها وايلد وأهداها إلى ذكراه.

خرج وايلد من السجن عام 1897 وغادر إلى فرنسا حيث كتب قصيدته. وفي الثالث عشر من فبراير عام 1898 نشرها ليونارد سميذرز من دون اسم مؤلفها؛ فلم يظهر على الغلاف سوى «C.3.3» الرمز الذي كان يُنادى به وايلد في سجنه.

كانت عودته إلى قرّائه موجعةً بقدر ما كانت بليغة: عاد إليهم بكلماته فيما ظلّ اسمه غائبًا، وحملَت القصيدة الرقمَ الذي اختُزل إليه صاحبها خلف القضبان.

ومع أن بعض النقّاد والقرّاء عرفوا مَن يقف وراء ذلك التوقيع، فإن اسم أوسكار وايلد لم يظهر صراحةً على القصيدة إلا في طبعتها السابعة الصادرة في يونيو عام 1899.

ومن جريمةٍ لها ضحيةٌ وحكمٌ ومشنقة، يتّسع معنى القتل في القصيدة، فيغادر حدوده الحرفية ليشمل ما نُطفئه في أرواح مَن نحبّ:

“Yet each man kills the thing he loves.”

قد يكون القتل نظرةً قاسية تنتقص من إنسان، أو كلمةً معسولة تستر الخداع، أو قُبلةً يطمئنّ إليها صاحبها، بينما تُخفي له الخيانة.

ومن هنا تأتي قسوة هذه المقابلة:

“The coward does it with a kiss,

The brave man with a sword!”

فالسيفُ عدوٌّ ظاهر نعرف كيف نحذره، أمّا القُبلة فتأتي في هيئة الأمان؛ ولهذا نتأخّر في تصديق أن اليد التي امتدّت لتطمئننا، كانت تؤذينا.

ثم يعيدنا وايلد إلى المصير الذي لم يلقَه كلُّ مَن أفسد ما يحبّ:

“Yet each man does not die.”

والموت هنا ليس مجازًا بل هو الإعدام كما تكشف الأبيات؛ فليس كلُّ مَن أهلك ما يحبّ يدفع حياته ثمنًا لما فعل. ومن هذا المعنى جاءت الترجمة التفسيرية الواردة في بداية النص.

ومهما اقتربت القصيدة من خوف الجندي وهو ينتظر المشنقة، تظلّ إيلين حاضرةً في خلفية الحكاية: امرأةٌ كانت لها حياة قبل أن يتحوّل موتُها إلى بداية قصيدة. فالشفقة على المذنب لا تمحو الضحية، والغيرة لا تجعل من الجريمة فعلَ حبّ.

رحل أوسكار وايلد في باريس عام 1900، وبقيت القصيدة حيّةً بعده تعبر من قارئٍ إلى آخر حتى غادرت حدود اللغة ووجدت امتدادها في الموسيقى.

ففي عام 1920 استوحى المؤلّف الفرنسي جاك إيبير من القصيدة عملًا سيمفونيًّا حمل عنوانها الفرنسي: La Ballade de la geôle de Reading، يمتد لنحو خمسٍ وعشرين دقيقة. وقد قُدّم في باريس عام 1922 بقيادة غابرييل بييرنيه، ثم أعاد إيبير صياغته في باليه من ثلاثة مشاهد، عُرض في «الأوبرا كوميك» عام 1947.

واليوم حين نقرأ هذه الأبيات نستحضر وجوهَ مَن آذونا؛ ثم تفاجئنا الذاكرة بوجهٍ آخر: إنسانٍ اطمأنّ إلينا ولم نُحسن صونَ اطمئنانه.

عندئذٍ تقترب القصيدة منّا على نحوٍ موجع ويغدو ترديدُها أصعب؛ فبين وجوه الذين خذلونا، يطلّ وجهُ مَن خذلناه

Screenshot
Screenshot

زر الذهاب إلى الأعلى