أدب وثقافة

قراءة في كتاب «الشعر فلسفة الأدب» للأديب حميد بركي

قراءة في كتاب «الشعر فلسفة الأدب» للأديب حميد بركي

 

سعاد بيكة

يُعد كتاب «الشعر فلسفة الأدب» للأديب حميد بركي عملًا فكريًا وأدبيًا متميزًا، يسعى إلى الكشف عن العمق الحقيقي للقصيدة العربية، وإبراز مكانتها باعتبارها أكثر من مجرد بناء لغوي قائم على الوزن والقافية، يقدم الشعر بوصفه رؤية فكرية وفلسفة إنسانية، تحمل في داخلها تاريخ الأمم، وذاكرة الشعوب، وتحولات المجتمعات، وتكشف عن العلاقة العميقة بين الإبداع الشعري والأحداث التي تصنع مسيرة الإنسان عبر العصور.

ينطلق المؤلف من فكرة أساسية مفادها أن القصيدة وليدة زمنها، وأن الشاعر ابن بيئته وعصره، يتفاعل مع ما يحيط به من أحداث دينية وسياسية واجتماعية وفكرية، ثم يحول تلك التجارب إلى نص شعري يحمل رؤيته الخاصة، فالشاعر في نظر حميد بركي هو رجل فكر وتأمل، يمتلك القدرة على قراءة الواقع، واستشراف المستقبل، والتعبير عن قضايا الإنسان بلغة تجمع بين الجمال والحكمة.

وقد اعتمد الأديب حميد بركي في كتابه منهجًا يجمع بين التأريخ والتحليل الأدبي، حيث يتوقف عند كل عصر من العصور، فيعرض ظروفه التاريخية والسياسية والحضارية، ثم ينتقل إلى دراسة أثر تلك الظروف في الشعر، موضحًا كيف كانت القصيدة مرآة صادقة لتحولات المجتمع العربي، وكيف استطاع الشعراء أن يجعلوا من الكلمة وسيلة لتسجيل الأحداث، والتعبير عن المواقف، وصياغة الأفكار.

ففي الجزء الأول يتناول المؤلف العصر الذي سبق الإسلام، ويختار له تسمية «العصر قبل الإسلام»، موضحًا أن وصف الجاهلية يرتبط بالجانب الديني، أما من حيث الفكر والأدب، فقد عرف العرب في تلك المرحلة شعراء حكماء امتلكوا قدرة كبيرة على التعبير والتأمل، وكانت قصائدهم تحمل قيمًا إنسانية واجتماعية، وتكشف عن معرفة عميقة بالحياة والإنسان والطبيعة، وهكذا يبين الكتاب أن الشعر العربي قبل الإسلام كان فضاءً للفكر والحكمة، وليس مجرد تسجيل للمواقف القبلية.

ثم ينتقل في الجزء الثاني إلى مرحلة نزول الوحي، فيعرض الأحداث الكبرى التي رافقت ظهور الإسلام، ويوضح أثر هذا التحول العظيم في مسار القصيدة العربية. فقد دخلت مفاهيم جديدة إلى الشعر، وظهرت موضوعات ترتبط بالإيمان والقيم والأخلاق، وأصبح الشعر وسيلة للتعبير عن التحول الحضاري الذي أحدثه الإسلام في المجتمع العربي.

بعد ذلك يتناول المؤلف العصر الأموي، مستعرضًا تاريخه وصراعاته السياسية وتحولاته الاجتماعية، ثم يوضح انعكاس تلك الأحداث على الشعر الأموي، حيث أصبح الشعر ساحة للتعبير عن المواقف السياسية والفكرية، وظهرت فنون شعرية ارتبطت بظروف العصر، مثل النقائض والمديح والهجاء والغزل، مما يؤكد ارتباط القصيدة بحركة التاريخ.

وفي الجزء الخاص بالعصر العباسي، يقف الكتاب عند مرحلة ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، فيعرض مظاهر القوة السياسية والثقافية للدولة العباسية، ثم يبين أثر النهضة العلمية والفكرية في تطور الشعر. فقد أصبحت القصيدة العباسية أكثر تنوعًا وعمقًا، واتسعت موضوعاتها لتشمل الفلسفة والحكمة والوصف والتأمل، متأثرة بما عرفه العصر من حركة علمية وفكرية واسعة.

كما يخصص المؤلف مساحة مهمة للأندلس، فيتحدث عن تاريخ الحكم العربي فيها، وعن الحضارة التي أقامها العرب، وعن المكانة التي بلغها الأدب الأندلسي. ويبرز خصوصية الشعر الأندلسي، خاصة ظهور الموشحات والأزجال، التي شكلت تطورًا مهمًا في مسيرة القصيدة العربية، وعكست جمال البيئة الأندلسية وتنوعها الثقافي والفني.

ويمتد الكتاب بعد ذلك إلى تاريخ المغرب، متناولًا مراحل الدول المغربية المتعاقبة، من الأدارسة والمرابطين والموحدين وصولًا إلى الدولة العلوية، رابطًا بين الأحداث السياسية والتحولات الاجتماعية وبين تطور الشعر المغربي. ويكشف المؤلف كيف ظل الشعر حاضرًا في مختلف هذه المراحل، يسجل الوقائع، ويعبر عن قضايا المجتمع، ويحفظ جزءًا من الذاكرة الثقافية المغربية.

كما يتوقف الكتاب عند الشعر الحديث والمعاصر، متابعًا التحولات التي عرفتها القصيدة العربية، وانتقالها إلى أشكال وتجارب جديدة، وظهور مدارس شعرية وفكرية متعددة. ويبين المؤلف ارتباط هذه المدارس بالسياقات التاريخية والسياسية والاجتماعية، وكيف حاول الشعراء المعاصرون تطوير أدوات التعبير لمواكبة أسئلة الإنسان الحديث وقضاياه.

وتتجلى أهمية كتاب «الشعر فلسفة الأدب» في كونه لا يكتفي بعرض تاريخ الشعر، وإنما يبحث في فلسفته ودوره الحضاري، مؤكدًا أن القصيدة سجل حي لحركة الإنسان عبر الزمن، فالشعر عند حميد بركي هو صوت الفكر، وذاكرة التاريخ، ومساحة للتأمل في قضايا الوجود والحياة.

لقد استطاع المؤلف أن يقدم رؤية واسعة تجمع بين الأدب والتاريخ والفكر، وأن يبرهن على أن القصيدة العربية كانت دائمًا مرتبطة بزمانها ومجتمعها، وأن الشاعر الحقيقي يجمع بين الحس الجمالي والوعي الفكري، ومن هنا يأتي الكتاب بوصفه رحلة في أعماق الشعر العربي، تكشف قوته، وتبرز فلسفته، وتؤكد أن الأدب ليس مجرد تعبير فني، وإنما هو أحد أهم أشكال المعرفة الإنسانية.

وهكذا يظل كتاب «الشعر فلسفة الأدب» إضافة قيمة إلى الدراسات الأدبية، لأنه يعيد قراءة القصيدة العربية من منظور شامل، يجعل منها شاهدًا على التاريخ، وصورة للإنسان، وفلسفة تعبّر عن تطور الفكر والحضارة عبر العصور.

وبهذا يحتوي الكتاب ما يقرق عشرين جزءا أو أكثر .

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى