كرامة المعلم خط أحمر..
أوقفوا الشو الإعلامي السنوي للمحافظين
بقلم: ياسر وزيري
كل عام في نفس التوقيت، قبل بدء الدراسة بأيام، نستيقظ على نفس المشهد المحفوظ: محافظ في جولة مفاجئة، كاميرات تسبقه، ومدير أو مديرة مدرسة واقفة في حالة دفاع عن النفس، ثم جملة محفوظة للإهانة العلنية، وقرار استبعاد فوري ليتصدر التريند.
ما حدث في القليوبية مع الدكتور حسام عبد الفتاح محافظ القليوبية ليس واقعة فردية، بل هو منهج سنوي يمارسه بعض المحافظين للظهور بمظهر الحازم القوي على حساب أضعف حلقة في المنظومة: المعلم.
في مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار ببنها، وقفت مديرة مدرسة بكل احترام لتقول الحقيقة التي يعرفها كل ولي أمر وكل معلم في مصر: “صرفت من جيبي الشخصي.. لما بلجأ للإدارة يقولوا مفيش فلوس.. المجاري أنا عملاها على حسابي، وتوصيل الكهرباء 7100 جنيه على حسابي”.
مديرة تدفع من قوت أولادها لتصلح ما عجزت الوزارة والمحافظة عن إصلاحه، فكان الرد: “متفهمنيش إنك بتصرفي على الدولة يا أستاذة.. بلاش كلام ميدخلش عقل عيل صغير”.
ولم يكتف بهذا، بل وجه لها أمام الكاميرات ووسط المعلمين والطلاب جملة لا تليق أبداً أن تصدر من محافظ يمثل الحكومة، ولا حتى من موظف في البلدية، حيث قال لها بالنص: “إزاي هنعلم الأولاد النظافة وأنا وسخ؟ يعني الجملة دي ما يقولهاش محافظ ولا واحد حتى شغال في البلدية. جملة مهينة توجه لسيدة فاضلة أفنت عمرها في خدمة التعليم.
وفي مدرسة برقطا الإعدادية بكفر شكر، نفس المشهد. مدير مدرسة يعمل في مدرسة بلا سور، وبديسكات متهالكة، استقبله المحافظ ليقول له “هذا منظر لا يليق” لأنه يرتدي جلباباً. وهل وفرتم له زياً رسمياً؟ هل وفرتم له ميزانية للصيانة والنظافة ثم حاسبتموه؟ القرار كان جاهزاً: استبعاد.
وهنا يجب أن نتوقف ونسأل: عمرنا ما شفنا محافظ نيويورك يهين معلمًا في فصله عشان ياخد اللقطة، عمرنا ما شفنا رئيس حي في فرنسا أو محافظ في لندن بيدخل يفتش على مدرسة ويهين المعلم عشان ياخد اللقطة. لا يحدث هذا إلا عندنا.
والأهم من ذلك، عمرنا ما شفنا الرئيس عبد الفتاح السيسي نفسه يوبخ أحدًا على الملأ. رأيناه في أكثر من افتتاح مشروع، عندما أخطأ بعض الضباط أو المهندسين في تقديم أنفسهم وتلعثموا أمامه، لم يهينهم، بل ابتسم وضحك واحتوى الموقف بإنسانية. رأيناه يقابل الناس ببساطة في الشارع، يستمع للمواطن البسيط، ويحتوي الجميع بأبوة. فإذا كان رأس الدولة بهذه الأخلاق، فمن أين جاء هؤلاء بمنهج الإهانة؟!!!!!
يا سادة، المدرسة يجب أن تكون نموذجاً في النظافة والنظام، نعم. لكن من أين؟ المديرة قالتها صريحة: الإدارة لا توفر مليماً.
نحن لا ندافع عن الإهمال، ومن يقصر يحاسب بالقانون، بمذكرة وتحقيق عادل كما حدث في واقعة قليوب وميت حلفا الثانوية من قبل. لكننا نرفض تماماً تحويل المعلم إلى مادة للشو الإعلامي.
كرامة المعلم هي هيبة التعليم نفسه. عندما تهين مديرة أمام طلابها ومعلميها وتصورها فيديو يلف مصر كلها، أنت لا تصلح التعليم، أنت تهدم القدوة. أي طالب سيحترم هذه المديرة بعد أن رأى المحافظ يوبخها بهذه الطريقة؟
رسالتنا إلى السيد رئيس الوزراء ووزير التربية والتعليم ونقابة المعلمين:
أوقفوا هذه المهزلة السنوية.
وضعوا بروتوكولاً واضحاً للجولات: المحاسبة تكون في المكتب بالمستندات، وليس بالصوت العالي أمام الكاميرا.
وفروا للمدارس ميزانيات نظافة وصيانة حقيقية، ثم حاسبوا المقصر.
كرموا مديرة كفر الجزار بدلاً من إهانتها، فهي نموذج للمعلم الذي يدفع من جيبه لإنقاذ مدرسة حكومية.
المعلم ليس موظفاً زائداً عن الحاجة، المعلم هو من يعلم ابن المحافظ وابن الوزير. وإذا ضاعت كرامته أمام الكاميرا من أجل شو إعلامي، فلن يبقى تعليم من الأساس.









