لا حاجة لياء النداء.. أحدث إبداعات الشاعر رضوان فلاحة
سامر خالد منصور
لم تبتسمْ لي ..
وما انحنى الليلُ يُغازلُ غمازتَيها..
لا وجهَ لي لينكسفَ الوصفُ في مرآتها..
كلّهم حراسٌ لقمحِ شغافي
أما مِن راعٍ هناك يُداعبُ ثقوبَهُ..
وله.. غُصّةُ الأنفاسِ..
وحشيشُ عينَيها.. وخُطاي..
والعِتْرةُ نسلُ جديَّ الأول…
هذا مُقتطفٌ من قصيدة موسماً للدحنون.. أعلنتكَ، من أحدث إبداعات الشاعر القدير رضوان هلال فلاحة، المجموعة الشعرية لا حاجة لِيَاءِ النِّداء وهي ثالِثُ مجموعاته الشعرية. وقد جاءت زاخرة بالصور والمشهديات الشعرية المبتكرة، مثال ذلك
ملح الحناجر. بنات الشجر. عَريشُها حمام المخيم.
وتشبيهه في موضعٍ آخر بانكسار البسمة مشدودةً على أوتار الفرح وبإيقاعٍ رتيبٍ بين الصائت والمُتحرِّك للأنين والصراخ والنواح.
وفيما رأيته تعبيراً عن الجمال الأصيل و رفضاً للتجميل الذي يقوم به الرياء جاء هذا المشهد في قصيدة إلى مسرح الكلمة مرة أخرى.
لا عنقَ للدهشةِ..
لتتلوّنَ الياقاتُ على مساحات المُتعة..
ولا ظِلَّ لها لتؤطِّرها *براويز* الغواية..
واتسمت عديدٌ من الصور والمشهديات والتعابير بأنها تخز القلب بهدف إيقاظه وإيقاظ العقل. هذا المنحى من التصوير والتعبير منطقي قد يُعَبِّرُ عن انفعال لاوعي المبدع في ظل ما يعيشه العالم العربي وفي ظل ما تعيشه الإنسانية عموماً. مثال ذلك ما جاء في قصيدة ليس على سبيل المجاز
يقول الحلمُ الهاربُ مِن سكراتِ الذاكرة
تلك الفتاة الكنعانيّة
لِمَن خَبَّأتْ في الترابِ حصّةَ الزفاف مِن *الرزّ* والملح
وارتقت تُقاسم الخوف والجوع والعروبة
وبراءةَ الدماء مِن الدماء
بعضَ لحمِها
… وحتى نهاية القصيدة.
عدد ليس بقليل من القصائد تناول مكاناً أو أحداثاً مُعتادة في فضاء جغرافيا بعينها. والحدث في تلك القصائد يكون سيكولوجياً وسوسيولوجياً في آنٍ معاً يشي بشيء من درجات الوعي الفردي والجمعي فيما يخصه.
من القصائد التي تُصَرِّحُ بمكانٍ بعينه
الأبدي الكنعاني، العنقاء الجليليّة، فلسطين قديمة، باسم الشتات.
ومن القصائد التي تفعل ذلك عبر إشارات
قصيدة أغنيات الطين التي ذُكِرَت فيها الميجانا.
قصيدة كف البحيرة جاء فيها قول الشاعر فلاحة
عريشها حمام المخيم.
فيما تبقى من قصائد يجنح الشاعر باتجاه المفاهيم والإنسانية بأوسع و أعمق أبعادها.
جاء في قصيدة لا عرش للتراب
الموتُ العظيمُ لا يملكُ اسماً
فَمَن سَمِيُّهُ المعنى
تجسّدَ بلحمنا والدم..
ومشى خُطانا وافتدى
لا كمن وَرِثوا الروايةَ
معلّقةً بعُنقِ العلم
هم للترابِ
ولكُم الخَبَر…
وفيما رأيته تعبيراً عن الجمال الأصيل و رفضاً للتجميل الذي يقوم به الرياء جاء هذا المشهد في قصيدة إلى مسرح الكلمة مرة أخرى.
لا عنقَ للدهشةِ..
لتتلوّنَ الياقاتُ على مساحات المُتعة..
ولا ظِلَّ لها لتؤطِّرها ” براويز ” الغواية..
المشهديات في لا حاجة لياء النداء، قمة في الدرامية، وما أعظم درامية المعنى، فهي تهز القارئ في جذور إنسانيته.
جاء في بداية قصيدة كُن أولى قصائد المجموعة الشعرية
كُن حنجرةً لصريركَ أيها القلمُ
ثم تحدث الشاعر رضوان فلاحة عن مظاهر من توريط الأرض بعد قوله
كيلا نُوَرِّطَ الأرض..
ثم قال
أو نَهَبُ للمُعجزاتِ المزيدَ من الخيامِ والخيام
كُنِ المحراثَ والأبجديَّةَ والذاكرة
لئلّا نُعلّق على أعوادِ البيادر مشانقَ الرغيف
كلّما ضاقَ الحصادُ
ندور حولَها بالمناجلِ
نجزُّ مِنَ اللغة تعويذاتِ الغِلال
وقد قام الشاعر القدير رضوان هلال فلاحة بتوقيع مجموعته الشعرية لا حاجة لياء النداء في بيت ألبيرتو اليسوعي بحضور كوكبة من الكتاب والشعراء والمهتمين ويذكر أن المجموعة صادرة عن دار الخيال.
وقد قدم الدكتور محمود شريح أستاذ مُحاضر في الفلسفة الهيغيلية في جامعة البلمند والجامعة الأميركية في بيروت، عبر تسجيل مصور من باريس، قائلاً إن الشاعر الفلسطيني رضوان فلاحة تمكن في ديوانه الثالث الأخير من صياغة قصيدة خشنة إلى حد ما في تركيبها، وفي مفرداتها، وفي ألفاظها للتعبير عن هموم ومشاق الحياة حيث هو في مطاوي النزوح الأبدي.
واصفاً إياه بالكنعاني عن جدارة، الذي يكتب بأصالة عمّا آل إليه شقاؤه في المهجر. ولا يخفى عليه أنّ هناك أملاً واعداً في غدٍ مشرق، وإن كان حالياً لا يغبط نفسه على ما هو فيه.
و وصف الدكتور شريح المجموعة الشعرية
لا حاجة إلى ياء النداء.
بأنها مَعلمٌ بارزٌ وخطة جديدة في كتابة الشعر، استلهمها رضوان فلاحة من عيشه وسط أهله في دمشق.
وبدورها قالت الفنانة التشكيليّة والمخرجة سهى صباغ عبر تسجل مصور من بيروت إن الكتابة رشيقة وقوية. لقد استمتعت بقراءة شعر رضوان فلاحة.
مؤكدةً أن الذين يكتبون بشكل جميل قلائل، هذا مع عمق الثقافة كأنك تعود إلى الصوت القديم، إلى الأرض في بداية خلقها حيث الصفاء والطبيعة والروحانيات، على الرغم من القرب من الواقع، كما يوجد أسى وحزن لا نختاره نحن، هو موجود. من يقرأ قصائد الشاعر رضوان، يقرأ أدباً وتاريخاً وإنساناً بكل بساطة. مُؤكدةً أن من يكتبون كثر ولكن الكتاب الحقيقيين قلائل.
ولم تختار سهى الصباغ قصيدة محددة لأنها رأت أن القصائد كلها تُكمل بعضها، كأنها نسيج واحد.
تضمن حفل التوقيع قراءات لقصائد من المجموعة الشعرية مع عزف على العود يتماهى مع روح ما قُرِئ، من قبل الفنان نوار عبود.








