مقالات

ماذا يفعل الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟

ماذا يفعل الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟

الكاتبة: مسعودة القاسمي / تونس

 

 

ثمة أسئلة لا تقاس قيمتها بما تقدمه من أجوبة، بل بما تفتحه من آفاق للتأمل والمراجعة. ومن بين هذه الأسئلة ذلك السؤال الذي ظل يتردد عبر القرون في الفلسفة والدين وعلم النفس والأدب: ماذا يفعل الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟

 

للوهلة الأولى يبدو السؤال بسيطاً، لكنه في حقيقته يمس جوهر المعضلة الإنسانية. فربح العالم لا يعني مجرد امتلاك المال أو النفوذ أو الشهرة، بل يشير إلى بلوغ أقصى ما يمكن أن يطمح إليه الإنسان من نجاح خارجي واعتراف اجتماعي. أما خسارة النفس فهي أمر أكثر غموضاً وتعقيداً، لأنها لا تتعلق بفقدان شيء مادي يمكن تعويضه، بل بفقدان العلاقة مع الذات الحقيقية، ومع المعنى الذي يمنح الحياة قيمتها.

 

منذ بدايات الحضارة، ظل الإنسان يسعى إلى توسيع دائرة سيطرته على العالم من حوله. شيّد المدن، واكتشف القارات، واخترع الآلات، وراكم الثروات، وسعى إلى السلطة والمجد. غير أن هذا التقدم الخارجي لم يكن دائماً مصحوباً بتقدم مماثل في معرفة الذات. بل إن كثيراً من المآسي الفردية والجماعية نشأت من ذلك الخلل العميق بين القدرة على السيطرة على العالم والقدرة على فهم النفس.

 

إن الإنسان قد ينجح في تحقيق الصورة التي رسمها له المجتمع، فيحصد الإعجاب والاحترام والمكانة، لكنه يكتشف في لحظة صمت أن كل ما بناه في الخارج لم يستطع أن يملأ فراغاً داخلياً ظل يكبر في الخفاء. فهناك فرق جوهري بين أن يحقق الإنسان ما يريده الآخرون له، وبين أن يحقق ما تنشده روحه في أعماقها. وكثيراً ما يختلط الأمر بين الاثنين حتى يصبح النجاح نفسه شكلاً من أشكال الاغتراب.

 

في علم النفس الحديث، ترتبط الصحة النفسية بقدرة الفرد على العيش في انسجام مع ذاته الحقيقية. وعندما تتسع المسافة بين ما يعيشه الإنسان فعلاً وما يشعر في أعماقه أنه عليه أن يكونه، يبدأ التوتر الداخلي بالتشكل. وقد يتمكن من إخفاء هذا التوتر سنوات طويلة خلف الإنجازات والألقاب والمظاهر، لكنه لا يختفي. بل يتحول إلى شعور مبهم بالفراغ أو فقدان المعنى أو عدم الرضا، حتى في لحظات الانتصار الظاهري.

 

ولهذا لا تُقاس خسارة النفس بحجم المعاناة الظاهرة، بل بمدى ابتعاد الإنسان عن مركزه الداخلي. فهناك من يعيش حياة متواضعة لكنه يشعر بالسكينة لأنه يعرف من هو ولماذا يعيش. وهناك من يمتلك كل أسباب الرفاهية لكنه يظل مطارداً بسؤال لا يجد له جواباً: ما جدوى كل هذا إذا كنت لا أعرف نفسي؟

 

وتزداد خطورة الأمر عندما يصبح النجاح مرهوناً بالتنازل التدريجي عن المبادئ والقيم. فخسارة النفس لا تحدث دفعة واحدة، وإنما تبدأ غالباً بسلسلة من المساومات الصغيرة التي تبدو مبررة في لحظتها. يتخلى الإنسان عن جزء من صدقه ليكسب قبولاً، وعن جزء من حريته ليكسب أماناً، وعن جزء من ضميره ليكسب نفوذاً. ومع مرور الوقت لا يعود السؤال متعلقاً بما كسبه، بل بما فقده أثناء طريق الكسب.

 

إن أكثر ما يلفت الانتباه في التجربة الإنسانية أن الإنسان يستطيع أن يعوّض معظم خسائره إلا خسارة ذاته. فالمال يمكن استعادته، والمكانة يمكن بناؤها من جديد، وحتى العلاقات قد تُرمم أو تُستبدل. أما الذات، فإذا طال اغترابها، يصبح الوصول إليها مهمة شاقة تتطلب شجاعة استثنائية. ولهذا كانت الأزمات الكبرى في حياة البشر كثيراً ما تتحول إلى لحظات صحوة، لأن انهيار الصورة الخارجية يتيح أخيراً رؤية الحقيقة الداخلية.

 

ومن منظور أعمق، لا تتمثل مأساة الإنسان في أنه يملك الكثير، بل في أنه يخطئ أحياناً في ترتيب الأولويات. فهو يمنح الوسائل قيمة الغايات، ويعامل الأدوات كما لو كانت أهدافاً نهائية. وعندما تتحول الثروة أو الشهرة أو السلطة إلى غاية بحد ذاتها، يفقد الإنسان البوصلة التي تهديه إلى معنى وجوده. عندها يصبح مالكاً للأشياء لكنه يفقد القدرة على امتلاك نفسه.

ولعل المفارقة الكبرى أن العالم لا يطلب من الإنسان أن يخسر نفسه كي يربحه، وإنما الإنسان هو الذي يضع نفسه أحياناً أمام هذا الخيار الوهمي. فالتاريخ مليء بأشخاص استطاعوا الجمع بين الإنجاز الخارجي والوفاء لجوهرهم الإنساني، كما أنه مليء بآخرين امتلكوا كل شيء واكتشفوا متأخرين أنهم فقدوا أهم ما يملكون.

إن قيمة هذا السؤال لا تكمن في التحذير من النجاح، بل في إعادة تعريفه. فالنجاح الحقيقي ليس ما يضيفه الإنسان إلى رصيده من ممتلكات أو ألقاب، بل ما يضيفه إلى إنسانيته ووعيه وصدقه مع نفسه. وليس الانتصار أن تقف على قمة العالم بينما تقف غريباً عن ذاتك، بل أن تصل إلى أعلى ما تستطيع الوصول إليه دون أن تفقد الطريق إلى قلبك.

 

لذلك يبقى السؤال مطروحاً على كل إنسان، مهما كان موقعه أو مكانته: بعد كل ما ربحت، ماذا بقي منك؟ لأن ما يبقى في النهاية ليس ما امتلكناه من العالم، بل ما احتفظنا به من أنفسنا ونحن نعبره.

زر الذهاب إلى الأعلى