سياسة و اقتصادصدى مصر

محمد غزال, التمدد الإسرائيلي في الشرق الأوسط

 

التمدد الإسرائيلي في الشرق الأوسط لم يعد مجرد سياسة أمنية بل مشروع نفوذ إستراتيجي متعدد الأبعاد

محمد غزال
أكد المفكر السياسي محمد غزال، رئيس حزب مصر 2000، أن منطقة الشرق الأوسط تشهد في المرحلة الراهنة تحولات جيوسياسية عميقة تعيد تشكيل موازين القوى والتحالفات الإقليمية، مشيراً إلى أن التوسع الإسرائيلي المتزايد في المنطقة لم يعد يقتصر على الاعتبارات الأمنية التقليدية، وإنما أصبح جزءاً من مشروع استراتيجي متكامل يستهدف ترسيخ النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني على المدى الطويل.
وأوضح محمد غزال في تصريح لـه أن قراءة المشهد الإقليمي الراهن تكشف أن إسرائيل تعمل وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى تقوم على توسيع نطاق حضورها خارج حدودها المباشرة، مستفيدة من حالة السيولة السياسية والأمنية التي تشهدها المنطقة، ومن التحولات المتسارعة في طبيعة العلاقات الدولية والإقليمية.
وأضاف “غزال” أن التحركات الإسرائيلية خلال السنوات الأخيرة تعكس سعياً واضحاً لإعادة صياغة موقعها داخل النظام الإقليمي، من خلال بناء شبكة متشابكة من المصالح والتحالفات والارتباطات الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية، بما يجعلها لاعباً محورياً في العديد من الملفات الاستراتيجية المرتبطة بمستقبل الشرق الأوسط والقرن الأفريقي والبحر الأحمر.
وأشار إلى أن إسرائيل تنظر إلى منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي باعتبارهما امتداداً مباشراً لأمنها القومي، نظراً لما تمثله هذه المناطق من أهمية استثنائية لحركة التجارة الدولية والملاحة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يفسر اهتمامها المتزايد بتعزيز حضورها السياسي والأمني والاستخباراتي في تلك المناطق الحيوية.
وأكد على أن الاستراتيجية الإسرائيلية الحالية ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية مترابطة؛ أولها المحور الاقتصادي، حيث تسعى إسرائيل إلى تأمين الممرات البحرية الاستراتيجية وفتح أسواق جديدة أمام منتجاتها وتقنياتها المتطورة، إلى جانب توظيف أدوات التعاون التنموي والتكنولوجي في مجالات الزراعة وإدارة المياه والتكنولوجيا الطبية لتعزيز نفوذها داخل عدد من دول المنطقة.
وأوضح أن هذه الأدوات لا تقتصر على تحقيق عوائد اقتصادية فحسب، بل تهدف أيضاً إلى بناء علاقات اعتماد متبادل تمنح إسرائيل قدرة أكبر على التأثير السياسي وصناعة القرار داخل الدول المستفيدة من تلك البرامج والمشروعات.
وفيما يتعلق بالمحور الأمني، أوضح أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية ما زالت تقوم على مبدأ الردع المطلق والدفاع الاستباقي ونقل المواجهة إلى خارج الحدود، مع التركيز على منع تشكل أي تهديدات استراتيجية قد تمس أمنها القومي مستقبلاً.
وأضاف أن إسرائيل تنظر إلى التحديات الإقليمية من منظور شامل يتجاوز حدودها الجغرافية المباشرة، الأمر الذي يدفعها إلى تعزيز حضورها في مناطق ذات أهمية استراتيجية مثل البحر الأحمر ومضيق باب المندب والقرن الأفريقي، باعتبارها مناطق مؤثرة في أمنها القومي وفي حركة التجارة والطاقة العالمية.
وأشار إلى أن إسرائيل تواصل كذلك توظيف ما يعرف باستراتيجية “المعركة بين الحروب”، والتي تقوم على إضعاف الخصوم وتعطيل قدراتهم بصورة مستمرة من خلال الضغوط السياسية والعمليات الأمنية والعسكرية المحدودة، بما يضمن الحفاظ على تفوقها الاستراتيجي في المنطقة.
وفيما يخص البعد الدبلوماسي، أكد على أن إسرائيل تسعى إلى توسيع دائرة اندماجها الإقليمي عبر بناء شراكات وتحالفات جديدة، مستفيدة من المتغيرات السياسية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ومن تصاعد المخاوف المشتركة المرتبطة بالأمن الإقليمي والاستقرار الاقتصادي.
وأوضح أن الدبلوماسية الإسرائيلية أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على مفهوم “القوة الذكية”، الذي يجمع بين التفوق التكنولوجي والقدرات الاقتصادية والنفوذ السياسي والأمني، بما يسمح لها بتعزيز حضورها الإقليمي دون الاعتماد الكامل على الأدوات العسكرية التقليدية.
وشدد على أن فهم طبيعة المشروع الإسرائيلي في المنطقة يتطلب النظر إليه باعتباره مشروع نفوذ متكامل الأركان، تتداخل فيه الأبعاد الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية بصورة تجعل من الصعب الفصل بينها، لافتاً إلى أن الهدف النهائي يتمثل في ترسيخ مكانة إسرائيل كقوة إقليمية مؤثرة وشريك رئيسي في مختلف الترتيبات السياسية والأمنية والاقتصادية المستقبلية.
وأضاف أن الجدل سيظل قائماً حول توصيف هذا الحضور الإسرائيلي المتنامي، بين من يعتبره شكلاً من أشكال التوسع الجيوسياسي الطبيعي الذي تمارسه الدول سعياً لحماية مصالحها الاستراتيجية، وبين من يرى أنه يمثل نموذجاً حديثاً للاستعمار الاستراتيجي القائم على النفوذ والهيمنة غير المباشرة عبر الاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات الأمنية.
وأختتم تصريحه بالتأكيد على أن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مرحلة مفصلية من إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية، وأن قدرة الدول العربية على حماية مصالحها الاستراتيجية ستظل مرتبطة بامتلاك رؤى شاملة للتعامل مع المتغيرات الجارية، وتعزيز التعاون العربي المشترك، وبناء منظومات اقتصادية وأمنية قادرة على مواجهة التحديات المتصاعدة والحفاظ على الأمن القومي العربي في ظل بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد والتغير.

زر الذهاب إلى الأعلى