مقالات

🖤✈️ الغُرْبَة… وَجَعٌ لَا تَرَاهُ العُيُونُ 🌙🥀

 الغُرْبَة… وَجَعٌ لَا تَرَاهُ العُيُونُ

بقلم/ دعاء شعبان

 لَيْسَتِ الغُرْبَةُ دَائِمًا حَقِيبَةَ سَفَرٍ، أَوْ مَطَارًا، أَوْ بِلَادًا بَعِيدَةً، فَهُنَاكَ غُرْبَاتٌ أَشَدُّ قَسْوَةً؛ حِينَ يُصْبِحُ الإِنْسَانُ غَرِيبًا بَيْنَ مَنْ يَعْرِفُهُمْ، وَحِينَ يَشْعُرُ أَنَّ قَلْبَهُ يَقِفُ وَحِيدًا فِي مَكَانٍ لَا يُشْبِهُهُ. 

 الغُرْبَةُ وَجَعٌ صَامِتٌ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ، وَحِكَايَةٌ طَوِيلَةٌ يَكْتُبُهَا الحَنِينُ كُلَّ يَوْمٍ. هِيَ اشْتِيَاقٌ لِوُجُوهٍ أَحْبَبْنَاهَا، وَلِأَصْوَاتٍ كَانَتْ تَمْنَحُنَا الطُّمَأْنِينَةَ، وَلِتَفَاصِيلَ صَغِيرَةٍ لَمْ نَدْرِكْ قِيمَتَهَا إِلَّا بَعْدَ بُعْدِهَا. 

 فِي الغُرْبَةِ يَتَعَلَّمُ الإِنْسَانُ كَيْفَ يُخْفِي أَوْجَاعَهُ خَلْفَ ابْتِسَامَةٍ، وَكَيْفَ يُوَاسِي نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ، وَكَيْفَ يَعْتَادُ غِيَابَ مَنْ كَانَ وُجُودُهُمْ يَمْنَحُهُ القُوَّةَ. وَهُنَاكَ، وَسَطَ الزِّحَامِ، يَكْتَشِفُ أَنَّ أَقْسَى أَنْوَاعِ الوَحْدَةِ أَنْ تَكُونَ مُحَاطًا بِالكَثِيرِينَ وَلَا تَجِدَ مَنْ يَفْهَمُ صَمْتَكَ. 

 الغَرِيبُ لَا يَبْحَثُ عَنِ الرَّفَاهِيَةِ قَدْرَ مَا يَبْحَثُ عَنِ الشُّعُورِ بِالأَمَانِ، وَعَنْ كَلِمَةٍ صَادِقَةٍ، وَعَنْ حِضْنٍ يُطَمْئِنُ قَلْبَهُ المُتْعَبَ. فَالأَمَاكِنُ الجَدِيدَةُ قَدْ تَمْنَحُ الإِنْسَانَ فُرْصَةً لِلْحَيَاةِ، لَكِنَّهَا لَا تُعَوِّضُ دِفْءَ الأَحِبَّةِ وَلَا ذِكْرَيَاتِهِمْ. 

 وَرَغْمَ قَسْوَةِ الغُرْبَةِ، فَإِنَّهَا تَصْنَعُ مِنَ الإِنْسَانِ شَخْصًا أَكْثَرَ قُوَّةً وَنُضْجًا، وَتُعَلِّمُهُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَنْ يُقَدِّرَ النِّعَمَ الَّتِي كَانَ يَرَاهَا عَادِيَّةً، وَأَنْ يُدْرِكَ أَنَّ بَعْضَ الأَشْيَاءِ لَا تُشْتَرَى، وَعَلَى رَأْسِهَا رَاحَةُ القَلْبِ وَوُجُودُ مَنْ نُحِبُّ. 

 وَيَبْقَى الحَنِينُ وَطَنًا يَسْكُنُ دَاخِلَ كُلِّ غَرِيبٍ، مَهْمَا ابْتَعَدَتِ المَسَافَاتُ وَمَهْمَا مَضَتِ السِّنُونُ. فَهُنَاكَ أَشْيَاءُ لَا يَقْتُلُهَا البُعْدُ وَلَا تَمْحُوهَا الأَيَّامُ، وَأَجْمَلُهَا الشُّعُورُ بِأَنَّ هُنَاكَ مَكَانًا وَقُلُوبًا تَنْتَظِرُ العَوْدَةَ. 

 فَالغُرْبَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ ابْتِعَادٍ عَنْ وَطَنٍ، بَلْ هِيَ رِحْلَةٌ طَوِيلَةٌ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالحَنِينِ، وَبَيْنَ الأَمَلِ وَالتَّعَبِ، وَبَيْنَ قَلْبٍ يُحَاوِلُ التَّأَقْلُمَ، وَرُوحٍ مَا زَالَتْ تَتَمَنَّى العَوْدَةَ… 

زر الذهاب إلى الأعلى