أدب وثقافة

أنا وصديقي الفيلسوف. بقلم د / رشا علي الدين

الحلقة الثانية: أين القياصرة؟ أين الأكاسرة؟

أنا وصديقي الفيلسوف

الحلقة الثانية: أين القياصرة؟ أين الأكاسرة؟

 

 بقلم د / رشا علي الدين

جلستُ إلى صديقي الفيلسوف، وأمامنا كتابٌ قديم تحكي صفحاته أخبار ملوكٍ ملأوا الدنيا سلطانًا، وأباطرةٍ حسبوا أن الأرض خُلقت لتطأها خيولهم.

تأملتُ صور العروش والتيجان، ثم قلت:

— أين القياصرة؟ أين الأكاسرة؟

أين الذين كانت ترتعد لذكر أسمائهم القلوب، وتنحني أمام أبوابهم الهامات؟

أغلق صديقي الكتاب، وقال:

— مضوا كما يمضي الجميع، وبقيت عروشهم خاليةً لا تعرف أسماء من جلسوا فوقها.

قلتُ:

— ولكنهم امتلكوا الجيوش والقصور والذهب، وكانت أوامرهم تُطاع، وكلماتهم لا تُرد!

قال:

— كانوا يملكون رقاب الناس، لكنهم لم يملكوا أنفاسهم الأخيرة. امتدت أيديهم إلى البلاد، لكنها عجزت عن أن تدفع عن أجسادهم الشيخوخة، أو تؤخر عنهم موعد الرحيل.

ثم أشار إلى تاجٍ سقط عن عرشٍ مهجور، وقال:

— كل تاجٍ، مهما علا، ينتظر يومًا يسقط فيه. وكل عرشٍ، مهما اشتد بنيانه، سيأتي عليه زمن يصير فيه مقعدًا خاليًا تتراكم فوقه الأتربة.

سألته:

— ولماذا يغتر الإنسان بالسلطة، وهو يرى مصائر من سبقوه؟

أجاب:

— لأن السلطان يصنع حول صاحبه جدارًا من المديح، فلا يسمع إلا ما يرضيه، ولا يرى إلا ما يصنعه له المنتفعون. يحيط به من يقنعونه بأنه استثناء من قوانين الحياة، حتى يظن أن ما أُعطي له حقٌّ أبدي، وأن الناس خُلقوا لخدمته.

قلتُ:

— وهل يكون المديح أخطر على صاحب السلطة من النقد؟

قال:

— المديح الكاذب قد يكون أول الطريق إلى الهلاك؛ لأنه يحجب الحقيقة، ويزين الخطأ، ويجعل الظلم حزمًا، والغرور هيبةً، والاستبداد قيادة. أما الناقد الصادق فقد يؤلمك قوله، لكنه يريك الحفرة قبل أن تسقط فيها.

صمتُّ لحظةً، ثم قلت:

— إذن، لم يكن القياصرة والأكاسرة أقوى مما ظنوا؟

ابتسم وقال:

— كانوا أقوياء على غيرهم، ضعفاء أمام الزمن. استطاعوا أن يأمروا آلاف الرجال بالوقوف، ولم يستطيعوا أن يأمروا يومًا واحدًا بالتوقف.

ثم استطرد:

— المشكلة ليست في أن يجلس الإنسان على عرش، بل في أن يتوهم أن العرش قد أصبح جزءًا منه. فإذا زال المنصب، شعر أن وجوده كله قد زال؛ لأنه لم يبنِ لنفسه قيمةً خارج اللقب، ولم يترك في القلوب أثرًا يتجاوز حدود السلطة.

قلتُ:

— وما الذي يبقى إذن بعد زوال المناصب وانطفاء الأضواء؟

قال:

— يبقى العدل إن عدل، والظلم إن ظلم. تبقى يدٌ امتدت لمحتاج، أو حقٌّ رده إلى مظلوم، أو دمعةٌ تسبب فيها، أو كرامةٌ أهدرها. لا تحفظ الذاكرة حجم القصور بقدر ما تحفظ ما جرى داخلها.

ثم نظر إليّ طويلًا وقال:

— حين ينتهي كل شيء، لا يُسأل العرش عن صاحبه، بل يُسأل صاحبه عمّا فعل وهو فوق العرش.

نهضتُ متأملةً، وألقيت نظرة أخيرة على صفحات التاريخ، فوجدت التيجان باهتة، والقصور أطلالًا، والأسماء التي كانت تُذكر خوفًا لا تُقرأ اليوم إلا للعبرة.

وغادرتُ صديقي، بينما ظل سؤالي يطرق أبواب العقل:

إذا كان القياصرة قد رحلوا، والأكاسرة قد مضوا، والعروش قد خلت… فعلامَ يتكبر مَن يعرف أن نهايته لا تختلف عن نهاية أبسط الناس؟

السلطة عابرة، والمنصب زائل، واللقب مؤقت؛ أمّا الأثر، فهو الشاهد الذي يبقى بعد أن يصمت الجميع.

فلا تغتروا بمقاعد اليوم؛ فقد تصبح غدًا جزءًا من حكاية تبدأ بالسؤال: أين كانوا؟

انتظروا الحلقة القادمة من سلسلة

«أنا وصديقي الفيلسوف»

 

زر الذهاب إلى الأعلى