أدب وثقافة

حي بن يقظان .. حين يستيقظ العقل في عالم بلا بشر

حي بن يقظان .. حين يستيقظ العقل في عالم بلا بشر

قلم / عادل شلبي
قبل تسعمائة عام، كتب الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل قصة ليست ككل القصص. إنها سؤال فلسفي في ثوب رواية : هل يستطيع الإنسان بمفرده، بلا نبي ولا كتاب، أن يصل إلى معرفة الله؟
البداية .. ولادة بلا أم
يضعنا ابن طفيل أمام روايتين لميلاد بطله:
الأولى : أميرة أخفت وليدها في تابوت وألقته في اليم خوفاً من أخيها الملك، فحمله الموج إلى جزيرة الواق واق المهجورة.
والثانية : أن هذا الإنسان تكون من طين تخمر على ضفاف الجزيرة عبر السنين حتى استوى بشراً.
وفي الروايتين يجد الطفل نفسه وحيداً. تتبناه غزالة فقدت صغيرها، فترضعه وتربيه. وهنا أول إشارة : الرحمة فطرة لا تحتاج إلى تعليم.
من تشريح غزالة إلى تشريح السماء
في السابعة من عمره، تموت الأم الغزالة. يفتح حي صدرها بظفر حاد، يبحث أين ذهبت الحياة. يرى القلب ويرى فراغه، فيدرك أن هناك شيئاً كان يسكنه وغادره، إنه الروح.
من هنا يبدأ رحلة العقل.
يراقب الشمس والقمر والنجوم، يراقب النار والماء، يراقب جسده. يستنتج أن كل هذه الموجودات حادثة، متغيرة، فانية، ولابد لها من محدث قديم لا يتغير.
يصل إلى التوحيد الخالص بعقله المجرد، ويقضي خمساً وثلاثين سنة في عبادة صامتة، يقلد دوران الأفلاك، ويصوم عن الطعام، ويُفني نفسه في ذكر الخالق.
لقاء الحكمة بالشريعة .. أبسال
في جزيرة مجاورة عامرة بالناس والشريعة، كان هناك رجل صالح يسمى أبسال، ضاق ذرعاً بظاهرية تدين قومه وانشغالهم بالدنيا، فقرر الاعتزال في جزيرة حي.
يلتقي الرجلان. حي لا يعرف لغة، وأبسال لا يعرف صمتاً. يعلمه الكلام، فيكتشف حي المفاجأة الكبرى: كل ما وصل إليه بالعقل والتأمل في خمسين عاماً، قد جاء به الوحي في آيات بينات.
يبكي حي، ويعرف أن العقل يهدي إلى الطريق، لكن الوحي هو الذي يضيء الطريق.
أهم ما جاء في الكتاب:
أولاً : الفطرة تصل لكنها لا تكفي. العقل يوصلك إلى وجود الله، لكنه لا يعلمك كيف تعبده وكيف تعيش بين الناس.
ثانياً : العزلة دواء بجرعة. هي صفاء للقلب في البداية، لكنها إن طالت أصبحت وحشة ومرضاً. لا بد للخلوة من جلوة.
ثالثاً : لكل مقام مقال. ذهب حي وأبسال ليعلموا أهل الجزيرة العامرة حقيقة التأمل، فلم يفهمهم الناس. فعادا. لأن عوام الناس يصلحهم الدين البسيط والعمل الصالح، ولا تحتمل عقولهم فلسفة الخواص.
بقي حي بن يقظان شاهداً أن في قلب كل إنسان بذرة تبحث عن خالقها، حتى لو نشأ وحده في جزيرة.

زر الذهاب إلى الأعلى