أدب وثقافة

قصة شكل آخر للموت . بقلم / سمية الإسماعيل

شكل آخر للموت

 

بقلم / سمية الإسماعيل. سورية

أفتح عينيّ رغمًا، ما زال جسدي يرفض الاستيقاظ، كأنني خارجٌ من معركة. تمتد يدي، تتحسّس موضع هاتفي، انظر إلى الوقت، “أوووه لقد انتصف النهار “. السقف الأبيض لشقّتي الصغيرة في “أولدنبورغ” بارد ومحايد، لا يشي بشيء. المياه الساخنة التي صببتها فوق جسدي البارحة في جوف الليل لم تفلح في إذابة صقيع “أورفا” القابع تحت جلدي.

أهزّ رأسي على الوسادة، ألتفت يمنة ويسرة تلمساً لدفء زائف، وأهمس في قلبي: «لو كان كابوساً لفض الشراكة مع عينيّ واستراح؛ لكنّه حقيقة.. حقيقة”

أغلق عينيّ مجدداً، في محاولة عقيمة للهروب من مطاردة ذاك الواقع الغارق في البؤس. غيومٌ كثيفة تتزاحم أمام النافذة، نافذة الطائرة المتجهة إلى فرانكفورت، كان الهدوء قاتلاً. الوفد الطبي البريطاني الذي أرافقه؛ الطبيب جون والممرض ديفيد وزوجته آشلي، غرقوا جميعاً في نوم عميق وثقيل، كأنهم يهربون من صور ثمانية وعشرين يوماً عشناها في المقبرة البشرية المترامية الأطراف. أغمض عينيّ للمرة الأخيرة مستسلماً لحقيقة أنني لن أستطيع النوم بسلام بعد اليوم، لأن روح مريم ستبقى تمشي في ممرات ذاكرتي.

مددتُ يدي وضغطتُ على زر الخدمة. أقبلت المضيفة الشقراء بابتسامتها الآلية

— تفضل، كيف أستطيع مساعدتك؟

—أريد مشروبًا لو سمحت، أريده دوبل.

— بكل تأكيد.

نظرتُ عبر النافذة إلى السحاب المتكاثف كأكفان معلقة في السماء. لم يكن الكأس قد وصل بعد، حين انفتح قاع الذاكرة العشوائي إلى الوراء.. إلى ما وراء المخيم.. إلى هناك، حيث أكوام الركام أكثر ارتفاعًا و أوسع انتشارًا.. و حيث تغيب الشمس عنها باكرًا بقرارٍ حكومي..إلى حيث البلدة المتكئة على كتف الوعر؛ حين كانت الحياة بسيطة و القلوب صافية. لكن الشروخ التي أصابت وجه الوطن كانت أعمق من أن تداويها شعارات صامتة. البلاد تحصد الموت في كل شبر، تتوزع السير بين شهيد وجريح ولاجئ. كنت أرى الشروخ تتسع في قريتي وبيئتي. كثرٌ مثلي كانوا غير قادرين على استيعاب ما يجري، بينما كان البعض البعيد عمّا يحدث يعيش في إنكار مريح “ههه شيزوفرينيا وجودية “. أما أنا.. لم أستطع. حملتُ غصتي، وانتهى بي المطاف لاجئاً هنا، متطوعاً في الصليب الأحمر، أبحث عن ترميم روحي المكسورة في مداواة أرواح الآخرين.

-استمتع بها!..

صوت المضيفة يقطع حبل أفكاري وهي تقدم الكأس. أجرع المرار كاملاً دفعةً واحدة؛ لعل حرقته تطرد برودة المشاهد المتيبسة في ذاكرتي، يحرق حلقي، لكنه لا يطفئ الصقيع الذي رأيته قبل أسابيع حين دخلنا ذلك المخيم في “أورفا”.

هناك انصهرت الحقيقة بالخيال المرعب. صقيع ينهش العظام، عالم من أشباح، خيام مهترئة ممتدة على اتساع مساحات شاسعة تتهيأ لي وكأنها بلا نهاية. نفايات تحاصر الأمل المتبقي في العيون، أطفال حفاة بأسمال شبه باليةٍ نساء بأعين مطفأة الحياة، و رجال عاجزون.. شاخوا قبل الأوان. فقط أجسادٌ بدت و قد فضّت اشتباكها مع الحياة و رفعت رايتها البيضاء.

في تلك الخيمة الباردة المخصصة للمعاينة، دخلت مريم. طفلة في السابعة من عمرها، وجه كالملائكة، حُملت إلى السرير بقدمين متورمتين زرقاوين. أراقب الطبيب جون وهو يضرب بعصاه الطبية على قدميها، ينظر إليّ بوجل:

-اسألها، هل تشعر بالألم؟

انحني مقتربًا منها، أحاول جاهدًا أن أبتلع كسري و قهري فأعيد عليها السؤال بالعربية

-عمو، عم يوجعك شي؟

نظرت إليّ ببراءة أفقدتني اتزاني:

-لا عمو.. ما في وجع!

صرخ جون حين اقترحت عليه تأجيل الخبر:

-أنت مترجم هنا، لست مستشاري القانوني!

اختنق صوتي، و فشلت اللغة في استنطاق كلماتٍ أقل قسوة. نُقلت مريم إلى المشفى، وبقيت غصتها عالقة في حلقي.

-لو سمحت، أربط الحزام، سوف نهبط خلال دقائق…

صوت مضيفة الطيران الشقراء يمزق الصمت الضبابي في رأسي. عيناي معلّقة خلف النافذة بتلك الأكفان الممتدة، و صورة مريم لا تفارق مخيلتي، مريم ابنة المخيم المخنوق برائحة الجرب والتهابات الرئتين والسعال الصادر من جوف كل خيمة، عادت إلينا في اليوم الثامن والعشرين على كرسي متحرك. اقتربتُ منها أودعها؛ في عينيها الزرقاوين كانت السماء تمطر، تمطر بغزارة و بصمت مهيب، أزاحت الغطاء بيدها لتشير إلى الفراغ.. الفراغ الذي احتل كرسيّها فوق الركبتين.

حضنتها وأنا أكذب كذبتي الكبرى:

-بكرة بيركبولك رجلين صناعيات وترجعي تركضي أحسن من الأول…

ابتسمت ابتسامتها الخجولة، ثم انكسرت نظرتها ؛ كانت تعلم أنني أكذب.

انتهى

………..

…. قراءة نقدية بقلم الناقد. إسماعيل آلرجب….

الأكفان العالقة في ذاكرة الوطن

 

تقديم :

نؤسس هنا القراءة النقدية لقصة “شكل آخر للموت” للكاتبة السورية سمية الإسماعيل في تناول بنية النص الشديدة التكثيف، على شكل نقاط وعلى محور الفقد والاغتراب حيث الركيزة الأساسية للمتن القصصي، وقد اعتمدت الكاتبة على وعي البطل السارد كعدسة مكبرة لمأساة اللجوء والتمزق الإنساني.

القراءة النقدية :

1- الموتيفات* البنيوية ( هوية السارد والدور الوسيط )

يمثل البطل السارد شريحة اللاجئ المتشظي بين الواقع والذاكرة؛ فهو لم يتخلَّ عن وظيفته الإنسانية كمترجم ومتطوع في المنظمات الدولية (الصليب الأحمر) برفقة الوفد الطبي البريطاني، لكنه يحمل داخل صدره جرح الضحية ذاتها. يتجلى البعد المأساوي في وجوده بين عالمين:

أ. عالم السلطة الطبية والمعرفية (الوفد الغربي): الممثل بالطبيب “جون” والممرض “ديفيد” وزوجته، حيث يتعاملون مع الألم بمادية وبراغماتية أملتها طبيعة مهنتهم، وهو ما ظهر في صرامة الطبيب جون (“أنت مترجم هنا، لست مستشاري القانوني!”).

ب. عالم المأساة الحية (اللاجئين): حيث يعجز اللسان عن الترجمة عندما تتجاوز الصدمة النفسية حدود اللغة. السارد ليس مجرد ناقل للكلمات، بل هو جسر تنزف من خلاله مشاعر العجز.

2- تقنية الاسترجاع متعدد الطبقات

استخدمت الكاتبة أسلوب الاسترجاع الزمني المركّب او المتعدد، محطمة الخطية الزمنية للتعبير عن حالة التشتت الوجداني لدى السارد:

أ. الوقت الراهن قي شقة أولدنبورغ والطائرة المتجهة إلى فرانكفورت.والشعور بالصقيع الداخلي رغم الأمان الظاهري؛ السقف المحايد يعكس الشلل الروحي والأرق المستمر.

ب. مركز ايواء اللاجئين في أورفا لتجسيد جغرافيا البؤس والخيام المهترئة، والمقبرة البشرية المترامية الأطراف التي شهدت مأساة “مريم”.

ت. الأمد الأبعد حيث القرية السورية المتكئة على كتف الوعر ، الاستعادة النوستالجية * للوطن المفقود قبل التهشيم، ومواجهة الموت النازل من السماء (البراميل والرصاص) والانفصال الوجودي.

هذا التداخل الزمني والتنقل المتكرر بين لحظة الهبوط في فرانكفورت وقاع الذاكرة يبرهن على أن اللاجئ لا ينقطع عن ذاكرة المكان ؛ فالزمن لديه دائري ومحبوس في لحظة الفقد.

3- الاقتلاع القسري وعمق الصدمة التراكمي

يغوص النص في سيكولوجية “الاقتلاع”، حيث يتجاوز المفهوم البسيط للجوء بوصفه انتقالا جغرافياً، ليصبح قاطعاً للصلة مع الذات. يعبر السارد عن هذه الفجوة بـ ” الشيزوفرينيا (الانفصام)الوجودية “؛ وهي حالة الإنكار أو العجز عن استيعاب حجم الدمار.

البرد والصقيع يتكرران كموتيف في القصة: من “صقيع أورفا” إلى الكأس المر الذي يجرعه السارد، كرمز للحزن المتجمد في العروق الذي لا تدفئه شقق ألمانيا ولا قهوة الطائرات. إنها صدمة تراكمية تشكلت من مشاهد الموت اليومي، وتشتت العائلات بين الحواجز، والوقوع تحت مقصلة الفوارق القانونية واللغوية.

4- مريم ايقونة التكثيف الرمزي للفجيعة

تتحول الطفلة “مريم” (ذات السبع سنوات) من مجرد شخصية هامشية في المخيم إلى مركز الثقل الدلالي للقصة كاملة. إنها تختزل التاريخ السوري الراهن:

أ. فقدان القدمين: رمز لبتر المستقبل، وبتر القدرة على الوقوف المستقل، واجتثاث السعي المادي على أرض الوطن.

ب. غياب الألم الظاهري (“ما في وجع!”): وصول الصدمة النفسية لدى الأطفال إلى مرحلة الشلل المفهومي، حيث يتجاوز الجسد مرحلة الصراخ إلى الموت السريري للحواس.

ت. الفراغ فوق الركبتين: هو الفراغ الذي يخلفه الموت والتهجير في ضمير النص.

5- نهاية القصة

إنّ انكسار نظرة مريم هي بؤرة المأساة وقد شكّلت الذروة التراجيدية في النص؛ ففي لحظة الاسترجاع الأخير قبيل هبوط الطائرة، يعود السارد لمشهد الوداع في اليوم الثامن والعشرين:

أ. الأمل الزائف: يحاول السارد ممارسة آلية حماية نفسية عبر “الكذبة البيضاء” (“بكرة بيركبولك رجلين صناعيات وترجعي تركضي أحسن من الأول”).

ب. الحقيقة المنكسرة: ابتسامة مريم الخجولة وانكسار نظرتها يكشفان عن وعي بكر ومبكّر بالمأساة. الطفلة أدركت الكذب ليس فقط كخداع لفظي، بل كعجز إنساني شامل أمام حجم الخسارة.

الرأي النقدي :

تنهي سمية الإسماعيل نصها بهذه النظرة المنكسرة لتعلن أن “الشكل الآخر للموت” ليس هو مفارقة الحياة بالجسد، بل هو البقاء على قيد الحياة بأرواح مبتورة، وذاكرة مثقلة بالكذب (وإن كان يحمل في طياته النبل)، وعينين تنظران إلى السحاب فلا تريان فيه سوى “أكفان معلقة في السماء”.

زر الذهاب إلى الأعلى