ثياب الاقتصاد… بعيون مصرية
«الاقتصاد المصري وتيتانيك… هل نملك قوارب النجاة؟»
بقلم / حسين عبيد
صحفي وباحث قانوني واقتصادى
غرقت تيتانيك… لكن روز نجت.
لم تكن نجاة روز مجرد صدفة، بل كانت حكاية عن الحب والعطاء والتضحية والعمل والوعي والأمل والفداء، وعن إنسان تمسك بالحياة في اللحظة التي بدا فيها كل شيء من حوله ينهار.
وربما لا تكون المسافة بعيدة بين تلك الحكاية وما نعيشه اليوم.
فالاقتصاد المصري يواجه أمواجًا متلاحقة، في منطقة ملتهبة بالصراعات والتوترات، وعالم لم يعد يعرف الهدوء طويلًا.
بدأت العاصفة العالمية مع جائحة كورونا، ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبعها من اضطرابات في أسواق الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد، ثم جاءت حرب غزة وما صاحبها من تداعيات إقليمية، وصولًا إلى التصعيد والصراع بين إيران وإسرائيل، لتصبح المنطقة أمام موجة جديدة من عدم الاستقرار.
أمواج متتالية تضرب المنطقة والاقتصادات، وتضغط على حركة التجارة والاستثمار والطاقة والعملات والأسواق.
وكأننا أمام سفينة تبحر في بحر شديد الاضطراب، وكلما تجاوزت موجة ظهرت أمامها موجة أخرى.
لكن السؤال الحقيقي : هل توجد أزمة؟
فالأزمات جزء من حياة الدول والاقتصادات، والدول لا تقاس فقط بقدرتها على تجنب العواصف، وإنما بقدرتها على التعامل معها والخروج منها بأقل الخسائر.
السؤال الأهم هو:
هل نملك قوارب النجاة؟
وأنا أؤمن أن مصر تملكها.
قارب النجاة الأول هو العمل، والثاني الإنتاج، والثالث الوعي، والرابع الاستثمار، والخامس التصدير، وقبل كل ذلك الأمل في المستقبل والإستقرار.
روز لم تنجُ لأنها انتظرت أن تتوقف الأمواج، وإنما لأنها تمسكت بالحياة وقاومت حتى النهاية.
وهكذا أيضًا لا يمكن للاقتصاد المصري أن ينتظر انتهاء العواصف العالمية والإقليمية حتى يبدأ في التعافي، بل عليه أن يعمل وسط العاصفة، وأن يحول الأزمة إلى فرصة، والتحديات إلى طاقة إنتاج، والخوف إلى وعي، والأمل إلى عمل.
فالمنطقة من حولنا تشهد صراعات وتوترات يمكن أن تعيد تشكيل المشهد الإقليمي، وتفرض على الدول أن تعيد حساباتها الاقتصادية والاستراتيجية.
ومصر، بحكم موقعها الجغرافي ودورها الإقليمي، ليست بعيدة عن هذه التطورات.
لكن مصر ليست مجرد متفرج على ما يحدث.
فموقعها الاستراتيجي، وقناة السويس، وسوقها الكبيرة، وقاعدتها الصناعية والزراعية، وقطاعها السياحي، ومواردها البشرية، كلها عناصر يمكن أن تتحول إلى أدوات قوة اقتصادية إذا أحسنّا استغلالها.
مصر لا تحتاج إلى قارب نجاة واحد، وإنما إلى منظومة كاملة من القوارب.
قارب للصناعة.
وقارب للزراعة.
وقارب للسياحة.
وقارب للتصدير.
وقارب للاستثمار.
وقارب للعلم والتكنولوجيا.
وقارب أكبر يجمع كل ذلك اسمه الاستقرار.
فالاستقرار ليس مجرد غياب الصراعات، وإنما هو بيئة تسمح للمواطن بالعمل، وللمستثمر بالتخطيط، وللمصنع بالإنتاج، وللسائح بالقدوم، ولرأس المال بأن يبحث عن فرصة آمنة.
ومن هنا يصبح الاستقرار أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية في عالم مضطرب.
لكن الاستقرار وحده لا يكفي.
فالأوطان لا تنجو بالأماني، والاقتصادات لا تتعافى بالشعارات.
النجاة تحتاج إلى عمل… والإصلاح يحتاج إلى صبر… والمستقبل يحتاج إلى رؤية.
نحن بحاجة إلى اقتصاد ينتج أكثر مما يستهلك، ويصدر أكثر، ويستورد بقدر ما يحتاج، ويعظم موارده، ويمنح القطاع الخاص مساحة أكبر للعمل والاستثمار، ويخلق فرصًا حقيقية للشباب.
هناك فقط عمل متواصل، وقرارات مدروسة، وإدارة واعية للموارد، وقدرة على التعلم من التجارب.
وربما هنا تكمن الرسالة الأهم في قصة روز.
لقد غرقت السفينة، لكن روز نجت.
لم تستطع أن تمنع الكارثة، لكنها استطاعت أن تتمسك بالحياة وأن تبدأ من جديد.
وهذا ما تحتاجه الدول أيضًا.
ليس المطلوب أن نوقف كل عاصفة تضرب العالم، فهذا ليس في مقدور دولة واحدة، وإنما المطلوب أن نمتلك مناعة اقتصادية تجعلنا أكثر قدرة على مواجهة العاصفة.
أن نبني اقتصادًا يستطيع الصمود عندما ترتفع أسعار الطاقة، وعندما تضطرب التجارة العالمية، وعندما تتراجع بعض الموارد، وعندما تتغير خريطة التحالفات والأسواق.
أن نمتلك اقتصادًا لا يعتمد على مورد واحد، ولا على قطاع واحد، ولا على مصدر واحد للعملة الأجنبية.
اقتصاد متنوع، منتج، قادر على المنافسة، ويملك رؤية للمستقبل.
مصر مرت عبر تاريخها بأزمات وحروب وتحديات كثيرة، لكنها بقيت.
واليوم، وسط منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة المصريين على العمل والبناء والحفاظ على الاستقرار والنظر إلى المستقبل.
قد تكون الأمواج عالية…
وقد تكون العاصفة طويلة…
لكن السفينة التي تملك قائدًا واعيًا، وطاقمًا يعمل، وخطة واضحة، وقوارب نجاة جاهزة، تستطيع أن تعبر.
غرقت تيتانيك… لكن روز نجت.
والرسالة ليست أن السفينة لا تغرق، وإنما أن الإنسان يستطيع أن ينجو عندما يتمسك بالأمل ويقاوم ويعمل.
وكذلك مصر…
لن يكون طريقها خاليًا من الأمواج، ولن تختفي التحديات بين ليلة وضحاها.
لكنها تستطيع أن تعبر هذه المرحلة إذا تمسكت بثلاثة أشياء:
العمل… والاستقرار… ورؤية المستقبل.
فهل نملك قوارب النجاة؟
نعم…
إذا قررنا أن نبنيها بأيدينا.







