هل هذه حياتي فعلًا، أم الحياة التي تعلمت أن أعيشها حتى لا أخسر الآخرين؟
حوار صحفي بقلم: رقيه فريد
لقاء مميز مع الكاتب والمحاضر الاديب هيثم غيظان .
في هذا الحوار كنتُ أحاول
أن أقترب أكثر من الإنسان
خلف الكاتب، لكنني
بدأت أتساءل:
هل الكاتب نفسه يستطيع
أن يختبئ خلف كتابته؟
أم أن الكتابة، مهما حاول صاحبها أن يخفي نفسه فيها، تترك في النهاية بصماته التي تكشفه؟
تحدثنا عن الطفل الذي لم يغادره، وعن الكتابة التي أصبحت وسيلته لوضع أسئلة ذلك الطفل في الكتب، وعن الذاكرة واللقاءات التي تعيد ترتيب الطريق، وعن الحب الذي قد نخلطه أحيانًا بالحاجة، وعن قول «نعم» للآخر بينما نقول «لا» لأنفسنا.
وتوقفنا طويلًا عند الوعي. ذلك النور الذي قد ينقذ الإنسان حين يفهم نفسه، وقد يتحول إلى قسوة حين يستخدمه لإدانتها بدل أن يرحمها.
ومن هنا، لم يعد السؤال:
من هو هيثم غيظان؟
بل أصبح السؤال الأهم:
أن نعرف كيف نصل إلى داخلنا؟
ليست كل الحكايات تُكتب من البداية
هناك أشخاص لا تدخل معهم الحوار لتعرف ماذا كتبوا فقط
بل لتعرف ماذا تركت الحياة
فيهم قبل أن تتحول التجربة
إلى كلمات.
ومن هذا الباب اقتربت
من الكاتب والروائي
والمحاضر الأردني “هيثم غيظان”
فخلف الكاتب الذي بدأ
الكتابة عام 2020، يقف
إنسان يحمل ذاكرة وطن
وطفلًا لم تغادره الدهشة
ووجوهًا يؤمن أنها لا تمر
في حياتنا عبثًا.

وحين يتحدث هيثم عن الكتابة
لا يفصلها عن الإنسان. وحين يتحدث عن الإنسان، يعود إلى الوطن والذاكرة والعلاقات والإنصات والعطاء.
وربما لهذا لم يكن الحوار معه مجرد أسئلة عن الكتب، وإنما محاولة للبحث عن تلك المسافة الخفية بين الإنسان وما أصبح عليه.
“الوطن… حين يكون أكبر
من خريطة”
حين تحدث هيثم عن نفسه
خارج الكتب، لم يبدأ
من الوظيفة أو من
تاريخ الكتابة، وإنما
من شيء أكثر عمقًامن
طفل ما زال يحتفظ بدهشته الأولى، ومن وطن لا يراه مجرد حدود على خريطة.
ولهذا أدهشتني تلك العبارة
التي قالها لي
«ما زلت أحتفظ بداخلي بطفلٍ صغير
تركته الأيام في أماكن كثيرة
ولم يأخذ منه العمر دهشته الأولى.»
وأيضًا عندما قال
:« بعض محطاتنا لا نرويها لأنها انتهت، بل لأنها ما زالت
تعيش فينا بطريقةٍ لا تصلح للكلام.»
وُلد هيثم في الأردن في تموز عام 1987، وما زال يعيش فيها، لكنه يحمل في داخله انتماءين لا يراهما متعارضين: أردني المكان، وفلسطيني الجذور والذاكرة.
مقولة الكاتب «ربما لهذا كان الوطن عندي أكبر من حدود الجغرافيا؛ هو الحكايات التي ورثناها، والوجوه التي كبرنا بينها، والأشياء الصغيرة التي تصنع معنى الانتماء.»
=وأنا أتوقف هنا قليل، لأن
الوطن، في رأيي ليس دائمًا المكان الذي نولد فيه، بل
المكان الذي يترك فينا شيئًا لا يستطيع السفر ولا الزمن
اقتلاعه. قد يكون الوطن
شارعًا حفظ خطواتنا
ووجهًا لا يزال حاضرًا في
الذاكرة، ولهجة نستعيدها
حين نشتاق، وحكاية
ورثناها قبل أن نفهمها
ثم كبرنا لنكتشف أنها
كانت جزءًا من تكويننا.
=فهل يستطيع الكاتب
أن يفصل نفسه عن وطنه
حين يكتب؟
هيثم: «ربما الوطن الحقيقي
هو الذي يبدأ حين تنتهي
الحدودمكانٌ نحمله
في الذاكرة في اللغة، في
الوجوه الأولى، وفي الأشياء
التي لا نستطيع مغادرتها
حتى لو غادرنا أماكنها. هناك أوطان نسكنها وأوطان تسكننا.»
*الطفل الذي كبر ولم يغادر*
يعمل الكاتب الكبير
“هيثم غيظان”
في الوظيفة الحكومية،
ويكتب الرواية
ويحاضر في علم الذات
والعلاقات الإنسانية.
ثلاثة مسارات تبدو متباعدة
لكنها عنده تلتقي
عند سؤال واحد:
«ماذا يحدث للإنسان من الداخل؟»
ويقول أيضاً :
«وما لا يعرفه كثيرون
أن الكاتب الذي يكتب
عن الإنسان
ما زال يحمل داخله طفلًا يتذكر التفاصيل أكثر مما يتذكر الأحداث.»
=فهل الطفل الذي يسكن
هيثم هو الذي قاده إلى الكتابة؟
هيثم: نعم أظن أنني لم أبتعد
كثيرًا عن ذلك الطفل. فقط تعلّمت أن أضع أسئلته في كتب»
**محطات لا تُروى لأنها ما زالت حية**
يقول الكاتب الكبير “هيثم غيظان” إن أجمل محطات حياته لم تكن دائمًا أحداثًا كبير، فقد تكون شارعًا، أو صديقًا، أو
لقاءً عابرًا ترك في النفس
أثرًا ولم يغادرها.
ومنذ أن كتب أول نص. له عام 2020، بدأ يتعرف إلى كتاب وأدباء جدد وتعلم من كثير
منهم أشياء لا تعلمها
الكتب وحدها.
حيث يقول: «تعلّمنا من بعضنا، وتبادلنا التجارب والأسئلة، واكتشفت أن الكتابة ليست
طريقًا يمشيه الكاتب وحده
بل رحلة يترك فيها كل
إنسان شيئًا عند الآخر.»
*الكتابة ليست مجرد
موهبة، بل هي رحلة
مستمرة من التعلم والتطور.
فكلما تعلّم الكاتب أكثر
اتسعت رؤيته وتحسّن أسلوبه
ومن هنا أطرح عليك سؤالي
=هل تعتقد أن الكاتب الذي يتوقف عن التعلم يبدأ
في التراجع حتى لو
استمر في الكتابة؟
هيثم:« ما زلت إلى اليوم أتعلم، وأؤمن أن أجمل ما في
هذه الرحلة أن يبقى
الإنسان قابلًا للتعلّم.»
* الآخر حين يترك
أثرًا في مسيرة الكاتب*
*أحيانًا نحتاج إلى شخص آخر ليرى فينا شيئًا لم نكتشفه بعد، ويؤمن بقدراتنا في اللحظة التي نشك فيها بأنفسنا
وقد يكون هذا الإيمان
سببًا في أن نكتشف حقيقتنا وإمكاناتنا.ومن هنا
يأتي سؤالي لك .
=هل يمكن لشخص أن يرى
فينا إمكانيات لا نراها
نحن في أنفسنا
فيصبح إيمانه بنا جزءًا من
الطريق الذي يقودنا إلى أنفسنا؟
هيثم: «نعم، أحيانًا نحتاج عينًا أخرى كي نرى ما أخفته عنا عيوننا. بعض الأشخاص لا يمنحوننا شيئًا جديدًا، بل يكشفون لنا شيئًا كان موجودًا فينا وينتظر من يصدّقه.»
«وجوه تسمعني حين صمت الجميع»
هناك إشارة لا أريد أن
تمر في هذا الحوار كخبر عابر لأنها تكشف قيمة إنسانية نادرة: وهي *الإنصات*
يقول الكاتب المبدع هيثم:
«في عالمٍ لا يُصغي إلّا لمن يَصرخ، ويَنظر للمُرهقين كأنّهم ثِقلٌ غيرُ مرغوبٍ فيه، يصبح الإنصات نعمةً لا تُقَدَّر.»
* تحدث كثرا عن من
كانوا سبب كبير في دعمه لانهم احسنوا الاصغاء وربما يكتشف القارئ ذلك بنفسه بين السطور في كتاب ” جزاء الإحسان
” للكاتب الراقي” هيثم غيظان”
«لم أكن أبحث عن نصائح
بل عن وجه لا يُشعرني أني عبء»
ويذكر لنا ايضاً في كتبه
عبارة قوية جداً:«ما كنت
أحتاج أكثر من حد يفهم»
*في عالم يمتلئ بالكلمات والنصائح، قد يكون الإنصات الصادق أحيانًا أكثر تأثيرًا من الكلام نفسه. فأن يشعر
الإنسان بأن أحدًا استمع إليه وفهمه، قد يترك
أثرًا لا يُنسى. ومن هنا
يأتي سؤالي .
=هل تعتقد أن الإنسان يتذكر من أنصت إليه أكثر ممن تحدث إليه؟
هيثم: «أظن أننا نتذكر من
جعلنا نشعر أننا مرئيون. الكلام قد يملأ الذاكرة، أما الإنصات
الحقيقي فيترك فيها مكانًا يشبه الطمأنينة؛ ولهذا يصعب نسيانه »
*في زمنٍ أصبحت فيه الأحاديث متسارعة، ووسائل التواصل تتيح للجميع فرصة التعبير عن آرائهم ومشاعرهم، يبدو أن الاستماع للآخر أصبح أقل حضورًا من الكلام. فكثيرًا ما ننشغل
بما نريد قوله، ونفكر في
ردّنا قبل أن نمنح الطرف
الآخر فرصة حقيقية للتعبير
حتى أصبح الصمت أثناء
الحوار يبدو ثقيلًا علينا
ومن هنا يطرح السؤال نفسه.
= هل أصبح الإنصات الحقيقي نادرًا لأننا جميعًا نريد أن نتحدث، ولا نريد أن نتحمل صمت الآخر؟
هيثم: «لأن الكلام يريد جمهورًا، أما الإنصات فيحتاج
حضورًا. نحن نسمع الكلمات
كثيرًا، لكننا نادرًا ما نصغي
إلى ما يحاول الإنسان
قوله من خلفها»
=وأيهما أكثر إنسانية
: أن تجد شخصًا يعطيك
الحل، أم شخصًا يمنحك
مساحة آمنة لتكتشف
الحل بنفسك؟
هيثم: «ربما الأجمل
أن يمنحك أحدهم مساحة
لا تحتاج فيها إلى أن تكون
متأكدًا. فبعض المساعدة لا
تأتي على هيئة
جواب، بل على هيئة
أمان يسمح لك بأن
تسمع جوابك الداخلي.»
*بعض الوجوه ما بتمرّ عبث*
الكاتب هيثم يري أن :«بعض الوجوه ما بتمرّ عبث…»
*وفي حياة كل إنسان
أشخاص لا يمكثون طويلًا
لكنهم يتركون أثرًا أطول
من أعمار بعض العلاقات.
=فهل تؤمن أن بعض الأشخاص يدخلون حياتنا في توقيت
محدد لأننا نكون في
حاجة إلى الأثر الذي
سيتركونه، حتى لو لم نعرف
ذلك وقتها؟
هيثم: «ربما لا يُقاس أثر الإنسان بطول بقائه، فهناك من يمر في حياتنا كجملة قصيرة، لكنه يغيّر معنى فصلٍ كامل
بعض اللقاءات لا تطول
لكنها تعيد ترتيب الطريق.»

بين «جزاء الإحسان»
و«ما بيني وبيني»
في تجربة الكاتب المبدع
“هيثم غيظان” الأدبية، يبدو الانتقال بين «جزاء الإحسان»
و«ما بيني وبيني»
كأنه انتقال من النظر
إلى ما حدث،و النظر فيما تركه داخل الإنسان.
=وهنا يأتي السؤال الأهم
ما الذي تغيّر في هيثم بين
«جزاء الإحسان»
وما «بيني وبيني»؟
هيثم: «في «جزاء الإحسان»
كنت أنظر إلى أثر التجربة
وفي «ما بيني وبيني»
بدأت أنظر إلى أثرها
في داخلي انتقلت
من سؤال «ماذا حدث؟»
إلى «ماذا صنع بي ما حدث؟»
=وكيف أعاد هيثم النظر في مفهوم العطاء بعد. «جزاء الإحسان»؟
هيثم: «أدركت أن العطاء لا
يفقد معناه حين لا يُرد، لكنه
يفقد حريته حين نعطي
كي نُحب أو نُثبت قيمتنا»
=في رايك هل كل عطاء
نمنحه للآخرين يكون
خالصًا لهم؟
هيثم: «لا أظن. في الإنسان
دائمًا شيء يريد أن يُرى.
النضج ليس أن ننكر
حاجتنا إلى التقدير
بل أن نعرفها ولا نجعلها
شرطًا لعطائنا»
*يُنظر إلى العطاء غالبًا
باعتباره تعبيرًا صادقًا عن
المحبة والاهتمام، فنمنح
وقتنا ومشاعرنا وجهدنا
لمن نحب دون أن نشعر.
لكن أحيانًا قد يتجاوز العطاء حدوده الطبيعية
فنستمر في تقديم المزيد
على أمل أن نحصل في
المقابل على التقدير أو
الاهتمام أو الحب.
وهنا قد تختلط الرغبة
في العطاء بالرغبة في
أن نكون محبوبين
فيتحول ما نظنه حبًا
خالصًا إلى محاولة غير معلنة لطلب الحب وهنا
اريد أن أسالك
=هل العطاء بلا حدود قد
تحول إلى طريقة
نطلب بها الحب؟
هيثم: «أحيانًا نعم.
قد نعطي كثيرًا لأننا لا
نعرف كيف نقول
ببساطة:
أريد أن أُحَب كما أنا.»
=عنوان «ما بيني وبيني»
يضع شخصين في المسافة
نفسها من هما؟
هيثم: «هما الإنسان
الذي يعيش، والإنسان الذي
يعود بعد التجربة ليسأل
ماذا حدث له فيها.
وبين الاثنين وُلد الكتاب.»
*في رحلة الإنسان مع ذاته
قد يكتشف أن الوصول إلى الآخرين أحيانًا أسهل بكثير
من الوصول إلى نفسه.
وبين ما نُظهره للعالم
وما نخفيه في أعماقنا
تتشكل مسافات لا ننتبه
إليها إلا عندما نتوقف قليلًا
ونصغي إلى داخلنا
وربما يكون الكتابة
عن الذات محاولة
لاكتشافها، أو اعترافًا
بأن الطريق إليها كان
أطول وأكثر تعقيدًا مما ظننا
ومن هنا يأتي السؤال:
=هل «ما بيني وبيني»
كتاب كتبته لأنك وصلت
إلى نفسك، أم لأن المسافة
كانت أكبر مما اعتقدت؟
هيثم: «كتبته لأنني اكتشفت
أن المسافة بين الإنسان
ونفسه لا تُقاس بالبعد
بل بكمية الأشياء التي
لم يقلها لها.»
*أحيانًا ننشغل طويلًا بما فعله الآخرون بنا، وننسى أن نتوقف لنسأل أنفسنا عن دورنا فيما حدث. ومع مرور الوقت،
قد يتحول الفهم من لوم الآخر
إلى مواجهة الذات.
=فهل انتقلت من فهم ما فعله الآخر بك إلى فهم ما فعلته أنت بنفسك؟
هيثم: «نعم. في مرحلة
ما يصبح الاستمرار في
لوم الخارج طريقة للهروب
من مسؤولية الداخل.
الوعي يبدأ حين نعيد
لأنفسنا جزءًا من الحكاية.»

*المحاضر الذي لا يقف
خارج ما يقول.
=فما الفكرة التي تكررها
لأن المجتمع ما زال بحاجة
إلى سماعها؟
هيثم: «أن الإنسان ليس
مشروعًا ناقصًا يحتاج دائمًا
إلى الإصلاح. أحيانًا يحتاج
فقط إلى أن يفهم نفسه
قبل أن يبدأ بتغييرها.»
=هل حدث أن اكتشفت
أن بعض ما تنصح به الآخرين تحتاج أنت إلى تذكيره لنفسك؟
هيثم: «كثيرًا. المحاض
لا يقف خارج ما يتحدث
عنه أحيانًا تكون الكلمة
التي أقولها للآخرين
عائدة إليّ بطريقة أخرى.»
=كيف تفرّق بين الوعي
الحقيقي والصورة الجميلة
التي يصنعها الإنسان عن نفسه؟
هيثم: «الوعي الحقيقي
يظهر حين تسقط الحاجة
إلى إثباته. ما يفعله
الإنسان في غياب الجمهور
أقرب إلى حقيقته مما يقوله
عن نفسه.»
=وما الشيء الذي تتمنى
أن يفهمه الإنسان عن ذاته
قبل أن يبدأ بمحاولة تغييرها؟
هيثم: «أن بعض ما يرفضه
في نفسه كان يومًا ما
وسيلة لحمايته.
لا نستطيع تغيير شيء
لم نفهم سبب بقائه.»
=في رايك هل يحتاج الإنسان
فعلًا إلى أن يصبح شخصًا
آخر كي يكون أفضل؟
هيثم: «ربما لا. النضج
ليس أن نقتل النسخة القديمة
منا، بل أن نفهمها حتى
لا تضطر إلى العودة بالطريقة نفسها.»
*الثقافة حين يصبح
الإصغاء فعلًا مقاومًا
للضجيج*
*في زمن يعلو فيه الضجيج
وتكثر فيه الآراء، يبقى الحوار الحقيقي مساحة نادرة
للإنصات والتفكير
وتبادل المعنى. ومن هنا
تبرز الصالونات الثقافية
كمساحات يمكن أن
تعيد للحوار هدوءه وعمقه.
=فماذا تستطيع الصالونات
الثقافية أن تستعيد من
روح الحوار؟
هيثم: «أن تعيد للإنسان فن الإصغاء. أن نجلس أمام
اختلاف حقيقي، ونكتش
أن وراء الفكرة إنسانًا
يشبهنا في حاجته
إلى أن يُفهم.»
=مع اتساع وسائل المعرفة
وسهولة الوصول إليها
أصبحت الثقافة حاضرة
في تفاصيل حياتنا أكثر
من أي وقت مضى، لكن
حضورها لا يعني بالضرورة
عمق تأثيرها فهل
أصبحت الثقافة أكثر
انتشارًا لكنها أقل تأثيرًا؟
هيثم: «ربما أصبحت أكثر
حضورًا وأقل هدوءًا
والمشكلة أن المعنى
يحتاج مساحة كي يصل
ونحن نعيش في
زمن يكثر فيه الكلام
ويقل فيه الإصغاء.»
=أريد أن أعرف ما الذي
يزعجك أكثر في
المشهد الأدبي اليوم؟
هيثم: «أن يتحول أحيانًا
من البحث عن المعنى
إلى البحث عن الحضور
حين يصبح الكاتب
أكثر اهتمامًا بأن يُرى
من أن يقول شيئًا، يخسر
النص شيئًا من ضرورته.»
=في زمن أصبحت فيه
الشاشة حاضرة في كل
تفاصيل حياتنا، تبقى
هناك أشياء لا تُقاس بسرعة
الوصول ولا بعدد
المشاهدات. فما الذي
يمكن أن تمنحه لنا
المساحة الثقافية
ولا تمنحه لنا الشاشة؟
هيثم: «أن نرى الإنسان
كاملًا، لا صورته المنتقاة.
الشاشة تختصر المسافة
أما اللقاء الحقيقي فيكشفها.»
=قد لا يكون الهدف
من الحوار أن نغيّر
قناعات بعضنا، بل أن
نفهم الإنسان الذي
يقف خلف الرأي المختلف.
فهل الحوار الحقيقي
لا يغيّر رأينا بالضرورة
لكنه قد يغيّر نظرتنا
إلى صاحب الرأي الآخر؟
هيثم: «وهذا في رأيي أحد
أرقى أشكال الحوار.
ليس ضروريًا أن نغادره
متفقين؛ يكفي أن نغادره
أقل قسوة على اختلافنا.»
=حين يصبح الإنسان هو
السؤال فما أكثر شيء
يثير فضولك في الإنسان؟
وما أكثر شيء يحيرك فيه؟
هيثم: «يثيرني ما يخفيه
الإنسان عن نفسه، ويحيرني
كيف يستطيع أن يعيش
طويلًا داخل تناقضاته
دون أن يسأل عنها.»
=أحيانا قد تكون الحساسية
طريقة عميقة لرؤية
العالم، لكنها أحيانًا تجعلنا
نتأثر بما يتجاوزه الآخرون
بسهولة. فهل تخشى
أحيانًا أن تكون
حساسيتك عبئًا عليك؟
هيثم: «كانت عبئًا حين
كنت أريد منها أن تختفي، وأصبحت جزءًا
من رؤيتي حين قبلت
أنها إحدى طرق
فهمي للعالم.»
=عندما تغضب، هل تخاف
مما يمكن أن تقوله
أم مما يمكن أن تكتشفه
عن نفسك؟
هيثم: «مما قد أكتشفه.
الغضب لا يكشف الحقيقة
كاملة، لكنه أحيانًا
يرفع الستار عن شيء
كنا نؤجل النظر إليه.»
=أحيانًا نبحث عن الفهم
لأن المجهول يربكنا
وكأن الاطمئنان لا يأتي
إلا حين نفهم كل شيء.
فهل تحتاج إلى فهم الشيء
كي تستطيع أن تطمئن إليه؟
هيثم: «أميل إلى الفهم،
لكنني تعلمت أن بعض
الطمأنينة تأتي من قبول
ما لا نفهمه. ليس كل غموض
يحتاج أن يتحول إلى إجابة.
=هل تستطيع أن تعرف نفسك بعيدًا عن نظرة الآخرين إليك؟
هيثم: «جزء منا يتشكل
في عيون الآخرين، لكن
النضج أن نعرف أي صورة
منهم تخصنا وأي صورة
لا علاقة لها بنا.»
هل النجاح الحقيقي
أن يصل الإنسان إلى ما يريد
أم أن يعرف بعد الوصول
لماذا كان يريده أصلًا؟
هيثم: «ربما السؤال
لأهم ليس: ماذا وصلت؟
بل: من كنت أريد أن
أصبح حين أصل؟
أحيانًا نفهم رغباتنا متأخرين
أكثر مما نفهم نتائجها.»
*قد يُقاس نجاح الكاتب
بالانتشار، لكن الأثر الحقيقي
قد يحدث في قارئ
واحد ويغيّر فيه شيئًا عميقًا.
= فهل نجاح الكاتب يقاس
بعدد من قرأه، أم بعدد
من تغيّر شيء في داخله؟
هيثم: «عدد القراء يخبرني
أن النص وصل، لكن
الأثر يخبرني أنه بقي.
وأنا أميل إلى الأثر
لأن الكتابة عندي لا تنتهي
عند آخر سطر.»
*كثيرًا ما نجد أنفسنا بين
ما يرضي الناس وما يمنحنا
راحة حقيقية، وقد يكون
الإختيار بينهما أكثر
صعوبة مما يبدو.
=إذا كان عليك أن تختار:
فهل تختار صورتك أمام
الناس أم سلامك الداخلي؟
هيثم: «سلامي الداخلي.
الصورة يعيش بها
الآخرون عني أما السلام
فأعيش أنا داخله
ولا أريد أن أربح صورة
وأخسر صاحبها.»
=هل هناك زاوية في
داخلك ما زلت تؤجل
الدخول إليها؟
هيثم: «نعم. هناك أشياء
لا نخاف معرفتها
بل نخاف أن نعرفها
بوضوح؛ لأن بعض
الحقائق إذا ظهرت
لا تسمح لنا أن نعود
إلى حياتنا بالطريقة القديمة.»
=إذا استطاعت كتاباتك
أن تضع إنسانًا واحدًا أمام
نفسه بصدق، فما الحقيقة
التي تتمنى أن يمتلك
شجاعة مواجهتها؟
هيثم: «أن يسأل نفسه
بعيدًا عن كل ما تعوّد
أن يرضيه: هل هذه حياتي
فعلًا، أم الحياة التي تعلمت
أن أعيشها حتى لا
أخسر الآخرين؟»
*قبل أن يغلق الكاتب كتابه
ربما لا تنتهي الحكاية
عند السؤال الأخير لأن
” هيثم “نفسه يؤمن أن
بعض الأسئلة أجمل
حين تظل مفتوحة.
وحين سألت عن الإنسان
وعن الوطن، وعن الوجوه
التي تغير الطريق
وعن العطاء الذي قد
يتحول إلى بحث عن
الحب، وعن الكتابة
التي تكشف أكثر مما
تخفي، وجدت أن
الخيط الذي يجمع
كل ذلك واحد وهو:
” الإنسان يحاول طوال
حياته أن يعود إلى نفسه”
وربما لهذا كانت كلماته
عن الوطن تشبه
كلماته عن الإنسان
فكلاهما شيء نسكنه ويسكننا.
وكما أن هناك أوطانًا
نسكنها وأوطانًا تسكننا
هناك أيضًا أشخاص
نلتقيهم وأشخاص
يسكنون جزءًا من
حكايتنا حتى بعد أن يغادروا.
ويبقى “هيثم” كاتبًا
ومحاضرًا وإنسانًا، واقفًا
في المنطقة التي
لا يملك فيها إجابات نهائية.
=هل يصل الإنسان يومًا
إلى النسخة الأخيرة منه؟
ربما “”لا””
وربما لا تكون القيمة في
أن نصل، وإنما في أن
نظل قادرين على السؤال
وعلى مراجعة الطريق
وعلى الاعتراف بأن بعض
ما ظنناه نهاية كان
مجرد بداية جديدة.
أما “هيثم” فقد ترك لي
وللقارئ سؤالًا لا يخص
كاتبًا وحده:
وهو« هل هذه حياتي
فعلًا، أم الحياة التي تعلمت
أن أعيشها حتى لا أخسر
الآخرين؟»
وربما هنا تحديدًا تبدأ
الحكاية الحقيقية.

كلمة شكر من الكاتب
“هيثم غيظان ”
إلى “رقيه فريد”
«أستاذة رقية فريد
شكرًا لكِ على هذا الحوار
المختلف، وعلى أسئلتكِ
التي لم تكن تبحث
عن إجابات جاهزة بقدر
ما كانت تفتح مساحات للتأمل.
سعدت بهذا اللقاء الحواري
مع كاتبة تمتلك
حسّ السؤال وجمال
الإصغاء، وأقدّر لكِ
هذا الجهد وهذا الحضور
الراقي. كل الاحترام
والإمتنان والتقدير لكِ
وللقلم الذي يعرف
كيف يجعل من الحوار
مساحةً أخرى للكتابة.»
الرد على الكاتب””
الأستاذ والكاتب
“هيثم غيظان”
الشكر لكَ أولًا، لأنك
منحتَ السؤال أكثر مما
طلبتُ منه، منحته عمقًا
وأبقيتَ للحوار مساحته
الإنسانية الهادئ لم تكن
إجاباتك مجرد ردود
على أسئلة، بل كانت
امتدادًا لها، ونافذةً
أخرى للتأمل في الإنسان
والكتابة وما بينهما
ولعل أجمل ما في الحوار
أن ينتهي بنا إلى أسئلة
جديدة، لا إلى إجابات
نهائية أقدّر لكَ هذا
الحضور النبيل،
وأعتز بهذا اللقاء الذي
كان بالنسبة لي حوارًا
مع كاتب يعرف أن
للكلمة أثرًا، وأن للإصغاء
جمالًا لا يقل عن
جمال الكتابة
كل الامتنان والاحترام
لقلمك، وللإنسان الذي
يقف خلفه.
رقــــية فــــريد








