أدب وثقافة

البويهيون. من جبال الديلم إلى أبواب بغداد

سلسلة التاريخ من وراء الستار.

البويهيون. من جبال الديلم إلى أبواب بغداد

 

بقلم/ محمد مصطفى كامل.

البويهيون سلالة فارسية شيعية ظهرت في القرن الرابع الهجري، وتمكنت من السيطرة على أجزاء واسعة من إيران والعراق، حتى دخلت بغداد سنة 334هـ/945م، وأصبح نفوذها قويًا إلى درجة أن الخلفاء العباسيين ظلوا في مناصبهم اسميًا، بينما انتقلت السلطة الفعلية إلى أمراء بني بويه. وينتسب البويهيون إلى بويه بن فنا خسرو، وكان أبناؤه الثلاثة: علي، والحسن، وأحمد، أصحاب الدور الأكبر في تأسيس دولتهم وتوسيع نفوذها.

وقد مثّل صعود البويهيين تحولًا مهمًا في تاريخ الخلافة العباسية؛ إذ أصبحت بغداد لأول مرة تحت نفوذ أسرة عسكرية غير عربية ذات توجه مذهبي مختلف، فاختلطت في عهدهم السياسة بالمذهب والصراع على النفوذ، وشهد العراق وإيران مرحلة جديدة من تاريخ الدولة العباسية، استمرت حتى ظهر السلاجقة في القرن الخامس الهجري وأنهوا الهيمنة البويهية على بغداد سنة 447هـ/1055م.

ومن هنا تبدأ حكاية البويهيين، حين بقي الخليفة في قصره، بينما أصبح القرار الحقيقي في يد رجالٍ آخرين.

البويهيون. من جبال الديلم إلى أبواب بغداد

تنويه إلى القارئ،

في الأجزاء السابقة كنا نسير في قرطبة، نتابع رحلة الأندلس من الخلافة الأموية إلى سقوطها، ثم عصر ملوك الطوائف وما ترتب عليه من صعود المرابطين.

لكن التاريخ الذي نقدمه هنا لا يتحرك دائمًا في خط جغرافي واحد.

فبينما كانت قرطبة تتفتت في الغرب،

كانت بغداد تعيش هي الأخرى تحولًا هائلًا في المشرق.

ولهذا تركنا قرطبة مؤقتًا، وانتقلنا إلى بغداد؛ لنرى ماذا كان يحدث في قلب الخلافة العباسية في الوقت الذي كانت فيه الأندلس تعيد تشكيل خريطتها السياسية.

وهنا تبدأ قصة جديدة،قصة أسرة لم تخرج من بغداد، ولا من قلب الدولة العباسية، بل جاءت من منطقة جبلية بعيدة، ثم تقدمت شيئًا فشيئًا حتى وقفت على أبواب أعظم مدن العالم الإسلامي.

إنها قصة البويهيين. لم يبدأ البويهيون من القصر عندما نسمع كلمة بغداد نتخيل قصور الخلفاء، والوزراء، والعلماء، والأسواق، والأنهار، والكتب.

لكن قصة البويهيين بدأت بعيدًا جدًا عن هذا العالم. بدأت في منطقة الديلم، جنوب بحر قزوين، في بيئة جبلية صعبة.

كانت تلك المناطق مختلفة عن العراق وفارس من حيث الجغرافيا وطبيعة المجتمع. فالجبال الوعرة جعلت إخضاعها والسيطرة عليها أمرًا صعبًا، وامتلك سكانها تقاليد عسكرية قوية. ومن هذه البيئة خرج رجال عرفوا القتال والجبال قبل أن يعرفوا قصور الخلفاء.

وكان من بينهم رجل اسمه (بويه). لم يكن بويه ملكًا عظيمًا. ولم يكن من أصحاب النفوذ المعروفين في العالم الإسلامي. لكن أبناءه الثلاثة سيصنعون شيئًا لم يكن يتخيله أحد . علي، والحسن، وأحمد.

ثلاثة إخوة،سيبدأون من هامش العالم السياسي. ثم ينتهون في قلب بغداد. ثلاثة إخوة، ومشروع واحد لم يكن صعود الإخوة الثلاثة دفعة واحدة.

بل جاء تدريجيًا. بدأوا في خدمة قوى محلية، ثم دخلوا في صراعات المنطقة، واستفادوا من حالة التفكك السياسي التي كانت تعيشها الدولة العباسية في القرن الرابع الهجري.

فالدولة لم تعد كما كانت في عهد المأمون والمعتصم. الخليفة في بغداد موجود. لكن الأقاليم أصبحت أقوى. والولاة والقادة العسكريون أصبحوا أكثر استقلالًا. والقوى المحلية بدأت تبحث عن مساحة خاصة بها. وهذا هو المناخ الذي يحتاجه أي قائد طموح. ففي الدولة القوية،يصعب على رجل صغير أن يصبح كبيرًا.

أما في الدولة التي تتراجع فيها السلطة المركزية،فقد يستطيع قائد محلي أن يصنع دولته بنفسه. وهذا بالضبط ما حدث مع البويهيين. علي بن بويه البداية الحقيقية كان علي بن بويه أكبر الإخوة وأكثرهم تقدمًا في بناء النفوذ.

واستطاع أن يحصل على مكانة في جنوب فارس، ثم أخذ نفوذه يتوسع. وكانت فارس هدفًا مهمًا. فهي ليست إقليمًا عاديًا.

كانت من أغنى مناطق المشرق، وامتلكت مدنًا كبرى، وموارد اقتصادية، وتقاليد إدارية قديمة تعود إلى عصور ما قبل الإسلام. ومن يسيطر على فارس يمتلك قاعدة يمكن أن ينطلق منها إلى مناطق أخرى.

وهنا بدأ مشروع البويهيين يتحول من مغامرة عسكرية إلى دولة. استولى علي على مناطق مهمة، وأصبح صاحب نفوذ حقيقي. لكن علي لم يكن وحده. كان خلفه شقيقان،الحسن وأحمد. وكل واحد منهما كان له دور في بناء القوة الجديدة.

فارس بوابة الطريق إلى بغداد لم يكن البويهيون يريدون السيطرة على قرية أو مدينة. كانوا يتحركون في اتجاه دولة. وفارس منحتهم المال والموارد والجيش والموقع.

لكن السيطرة على فارس لم تكن النهاية. كانت مجرد بداية. فالطريق الطبيعي لطموح أي قوة تسيطر على فارس يقود إلى العراق. وهناك كانت بغداد. لكن بغداد لم تكن مدينة سهلة. فهي عاصمة الخلافة. وفيها الخليفة العباسي. وفيها كبار رجال الدولة. وفيها قوات متعددة الولاءات. وفيها أيضًا جماعات سياسية ومذهبية واقتصادية متنافسة. وكان الدخول إليها يعني مواجهة شبكة معقدة من المصالح.

ولهذا لم يكن البويهيون يستطيعون اقتحامها دون حساب. كان عليهم أن ينتظروا اللحظة المناسبة. واللحظة كانت تقترب. بغداد قبل البويهيين عاصمة تتآكل من الداخل لفهم سقوط بغداد في يد قوة خارجية، يجب ألا نبدأ بالبويهيين. بل يجب أن نسأل ماذا حدث لبغداد قبل أن يصلوا؟

كانت الخلافة العباسية قد مرت منذ منتصف القرن الثالث الهجري بمرحلة من الاضطراب الشديد. الجيش أصبح قوة سياسية. والخلفاء تعاقبوا بسرعة. والأقاليم بدأت تستقل. والخزانة ضعفت. والصراعات العسكرية استنزفت الدولة.

ثم عادت بغداد لتصبح مركز الخلافة بعد سنوات سامراء. لكن عودتها لم تعنِ عودة القوة القديمة. كانت بغداد لا تزال مدينة عظيمة لكن الدولة التي تحمل اسمها لم تعد تسيطر على العالم الإسلامي بالطريقة نفسها. الخليفة يملك الشرعية وغيرُه يملك السيف هذه الجملة تلخص كثيرًا من تاريخ الخلافة في تلك المرحلة.

كان الخليفة العباسي يمتلك شرعية تاريخية ودينية هائلة. لكن القوة العسكرية أصبحت في أيدي قادة مختلفين. وفي الأقاليم ظهرت أسر حاكمة مستقلة أو شبه مستقلة.

في مصر ظهر الطولونيون ثم قوى أخرى. وفي المشرق ظهرت أسر وقادة متعددون. وفي المغرب والأندلس كانت الخلافة الأموية قد أقامت مركزًا منافسًا. وهكذا لم يعد العالم الإسلامي دولة واحدة بالمعنى السياسي. بل أصبح شبكة من القوى.

والخليفة العباسي بقي رمزًا جامعًا، لكن قدرته على فرض قراراته على الجميع أصبحت أضعف بكثير. وكان البويهيون يراقبون هذا الوضع. لماذا احتاج البويهيون إلى بغداد؟ قد يبدو السؤال غريبًا. إذا كانوا قد سيطروا على فارس، فلماذا المخاطرة ببغداد؟

الإجابة أن بغداد كانت تمنحهم شيئًا لا تمنحه فارس،الشرعية والهيبة. فالقوة التي تدخل بغداد لا تحصل على الأرض فقط. بل تدخل قلب النظام السياسي العباسي. ومن يسيطر على بغداد يستطيع أن يؤثر في الخليفة نفسه. وهذا كان هدفًا بالغ الأهمية.

لكن البويهيين لم يكونوا القوة الوحيدة التي تنظر إلى بغداد. كانت هناك قوى أخرى. وكان العراق يعاني من صراعات مستمرة. وهنا ظهرت فرصة البويهيين. أحمد بن بويه، الرجل الذي اتجه غربًا بين الإخوة الثلاثة، كان أحمد بن بويه هو الذي سيتولى المهمة الأخطر. اتجه نحو العراق. وتوسع نفوذ البويهيين.

وكانت بغداد في ذلك الوقت تعيش حالة من الضعف السياسي جعلتها أكثر قابلية للتأثر بالقوى الخارجية. لم يكن الخليفة يملك جيشًا قويًا مستقلًا بما يكفي لمواجهة كل هذه القوى. ولم تكن الدولة تملك الموارد الكافية لتخوض حربًا طويلة ضد قوة منظمة قادمة من فارس. وفي النهاية،اقترب أحمد بن بويه من بغداد.

وكان عام 334هـ/945م يقترب. المستكفي بالله، الخليفة أمام العاصفة كان الخليفة العباسي آنذاك،المستكفي بالله. وكان يدرك أن الخطر يقترب. لكن بغداد لم تكن في وضع يسمح لها بمواجهة البويهيين بسهولة. كانت الخلافة قد فقدت جزءًا كبيرًا من مواردها. والجيش لم يعد قوة واحدة متماسكة. والقادة العسكريون أنفسهم كانوا يتنافسون على النفوذ.

وكانت المدينة تعرف أن دخول جيش جديد قد يغير كل شيء. ثم جاء اليوم. دخل أحمد بن بويه بغداد سنة 334هـ/945م. ولم يكن دخوله مجرد دخول أمير إلى مدينة. كان دخول قوة جديدة إلى قلب الخلافة. اللحظة التي انقلب فيها ميزان التاريخ استقبل الخليفة المستكفي بالله أحمد بن بويه.ومنحه لقب معز الدولة.

وهنا بدأت واحدة من أغرب العلاقات السياسية في التاريخ الإسلامي. الخليفة بقي خليفة. والقصر بقي قائمًا. والمنبر بقي يذكر اسم العباسيين. والناس لم يروا سقوطًا رسميًا للخلافة. لكن القوة الحقيقية انتقلت إلى يد أخرى.

وهذه هي النقطة التي تجعل دخول البويهيين مختلفًا عن الغزوات التقليدية. لم يدخلوا بغداد ليحرقوا الخلافة. دخلوا ليحكموا من خلالها. لم يهدموا العرش، بل جلسوا خلفه. ومن هنا بدأت مرحلة جديدة .

الخليفة العباسي على العرش، والأمير البويهي صاحب السيف. لكن السيطرة على بغداد ليست نهاية القصة قد يبدو أن البويهيين انتصروا بمجرد دخولهم بغداد.

لكن الحقيقة أن أصعب مراحلهم بدأت بعد ذلك. فبغداد مدينة ضخمة. والسيطرة عليها تحتاج إلى مال. والمال يحتاج إلى إدارة. والجيش يحتاج إلى رواتب. والقادة يحتاجون إلى إرضاء. والأعيان يحتاجون إلى احتواء. والخليفة نفسه يحتاج إلى إبقائه تحت السيطرة دون تحويله إلى شهيد سياسي.

ثم هناك سؤال أخطر، كيف يحكم البويهيون العراق وهم أسرة جديدة قادمة من فارس، بينما الخليفة العباسي ما زال رمز الدولة؟ وكان عليهم أن يجدوا توازنًا دقيقًا. لا يستطيعون إلغاء الخليفة. ولا يستطيعون تركه قويًا. ولا يستطيعون إهمال بغداد. ولا يستطيعون استنزاف خزائنها. ولا يستطيعون ترك الجيش بلا رواتب.

ومن هنا ستبدأ قصة طويلة من الصراع السياسي والمذهبي والاقتصادي. ولم يكن الصراع سياسيًا فقط كان المجتمع البغدادي نفسه معقدًا. وفي بغداد مذاهب واتجاهات سياسية وفكرية متعددة. وكانت المدينة قد شهدت قبل البويهيين توترات مذهبية واجتماعية.

ومع وصول البويهيين، أخذت بعض هذه التوترات شكلًا أكثر وضوحًا في فترات مختلفة. ولذلك لا يمكن أن نفهم العصر البويهي باعتباره مجرد عباسيين ضد بويهيين. فالصورة أوسع. هناك الخليفة. وهناك الأمير البويهي. وهناك الجيش. وهناك كبار الموظفين. وهناك العلماء. وهناك التجار. وهناك عامة الناس. وهناك المنافسة بين القوى المذهبية.

وكل طرف يحاول أن يحافظ على مصالحه. وبغداد كانت المسرح الذي تتقاطع فيه هذه القوى كلها. السؤال الذي سيغير كل شيء كان يمكن للبويهيين أن يكتفوا بالسيطرة على بغداد. لكنهم اكتشفوا سريعًا أن المدينة لا تعطيهم السلطة وحدها. بل تعطيهم عبئًا هائلًا. فقد ورثوا دولة تعاني من أزمات مالية. وورثوا جيشًا يحتاج إلى المال. وورثوا مدينة يمكن أن تنفجر في أي لحظة بسبب الصراع السياسي أو المذهبي.

وفوق ذلك كله كان عليهم التعامل مع خليفة عباسي يملك شيئًا لا يملكونه الشرعية. ولهذا بدأت العلاقة بين المستكفي ومعز الدولة تتوتر. ولم يستغرق الأمر طويلًا حتى اتخذ البويهيون قرارًا سيغير شكل الخلافة. عزل الخليفة. فلم يكن دخول بغداد كافيًا.

كان يجب أن يكون الخليفة نفسه تحت السيطرة. لم يكن دخول البويهيين بغداد سنة 334هـ/945م نهاية القصة. كان البداية الحقيقية. فالجيوش تستطيع أن تدخل مدينة في يوم لكنها لا تستطيع أن تحكمها بالسيف وحده. وبغداد لم تكن مدينة عادية.

كانت عاصمة الخلافة العباسية، ومركز التجارة، وموطن العلماء والفقهاء والأدباء، ومسرحًا لمصالح سياسية ومذهبية واقتصادية متشابكة.

وكان على أحمد بن بويه، معز الدولة، أن يحكم مدينة يعرف أهلها أن الرجل الجالس أمامهم ليس خليفة. أما الخليفة الحقيقي فكان لا يزال موجودًا داخل القصر.

وهنا بدأت واحدة من أكثر المعادلات السياسية غرابة في التاريخ الإسلامي رجل يملك الشرعية ولا يملك القوة. وآخر يملك القوة ولا يملك الشرعية. فمن منهما يحكم؟

المستكفي، الخليفة الذي اكتشف متأخرًا حدود سلطته

كان المستكفي بالله قد استقبل معز الدولة في البداية. وربما ظن أن وجود قوة جديدة في بغداد يمكن أن يعيد شيئًا من الاستقرار. لكن الواقع كان مختلفًا. فمعز الدولة لم يأتِ ليكون تابعًا للخليفة. لقد جاء بجيشه. والجيش هو مصدر قوته. والمال هو الذي يبقي الجيش مواليًا له.

أما الخليفة فكان يمتلك القصر والمنبر واللقب والهيبة. لكن هذه الأشياء، مهما عظمت، لا تستطيع وحدها مواجهة جيش مسلح. وبدأت العلاقة بين الرجلين تتجه نحو الصدام. كان المستكفي يريد الاحتفاظ بمساحة من الاستقلال.

وكان معز الدولة يريد ضمان أن الخليفة لن يتحول إلى مركز مقاومة ضده. وفي السياسة،عندما يصبح الحليف المحتمل خطرًا، تبدأ مرحلة الإقصاء.

لحظة الخلع

في سنة 334هـ/946م تقريبًا، لم تمضِ مدة طويلة على دخول البويهيين بغداد حتى انتهى حكم المستكفي. تمكن رجال معز الدولة من السيطرة عليه، وعُزل الخليفة. ثم تولى الخلافة (المطيع لله). وهنا أصبحت الرسالة واضحة. البويهيون لم يعودوا مجرد ضيوف في بغداد.

بل أصبحوا القوة التي تستطيع أن تقول من يجلس على عرش العباسيين؟ وهذا تحول تاريخي عميق. فقد بقيت الخلافة العباسية.

لكنها فقدت جزءًا مهمًا من استقلالها السياسي. ومنذ ذلك الوقت، أصبح وجود الخليفة نفسه مرتبطًا بتوازن القوى.

لماذا لم يلغِ معز الدولة الخلافة؟

قد يبدو أن التخلص من الخليفة كان أسهل.

لكن إلغاء الخلافة لم يكن في مصلحة البويهيين.

فالمجتمع الإسلامي كان لا يزال ينظر إلى الخليفة العباسي باعتباره صاحب مكانة دينية وتاريخية.

والبويهيون، مهما امتلكوا من قوة، لم يكونوا يستطيعون بسهولة استبدال هذه الشرعية.

لذلك كان الحل أكثر ذكاءً.

اترك الخليفة وخذ الدولة.

يظل اسم العباسيين.

وتظل المراسم.

وتظل الخطبة.

ويظل الخليفة رمزًا.

أما القرارات العسكرية والمالية والسياسية الكبرى فتكون في يد الأمير.

وهكذا أصبح الخليفة بالنسبة إلى النظام البويهي عنصر شرعية.

وأصبح الأمير عنصر قوة.

المطيع لله بداية عصر جديد

تولى المطيع لله الخلافة سنة 334هـ/946م، واستمر حتى سنة 363هـ/974م.

وكان عهده طويلًا نسبيًا مقارنة بفترة الاضطراب التي سبقته.

لكن طول مدة الخليفة لا يعني بالضرورة قوة سلطته.

فالحكم الفعلي كان في يد البويهيين.

وكانت علاقة الخليفة بالأمراء البويهيين قائمة على توازن حساس.

الخليفة يحتاج إلى الأمير لحماية الدولة.

والأمير يحتاج إلى الخليفة لمنح حكمه شرعية.

لكن هذا التوازن كان يتغير كلما تغيرت قوة الأمراء أنفسهم.

معز الدولة من قائد عسكري إلى حاكم العراق

لم يكن معز الدولة رجلًا بلا مشروع.

كان يريد بناء سلطة مستقرة.

لكن بغداد كانت مرهقة.

والدولة كانت تعاني من نقص الأموال.

والجيش يحتاج إلى الرواتب.

والإدارة تحتاج إلى التمويل.

والمناطق تحتاج إلى ضبط.

وهنا واجه معز الدولة المشكلة التي واجهت كثيرًا من الحكام عبر التاريخ:

كيف تدفع ثمن القوة التي تحميك؟

فإذا لم تدفع للجند تمردوا.

وإذا دفعت لهم أكثر مما تستطيع

انهارت الخزانة.

وإذا رفعت الضرائب غضب الناس.

وإذا خفضتها لم تجد المال للجيش.

وكان هذا التوازن بالغ الصعوبة.

بغداد تحت ضغط الجند

كان للجند نفوذ كبير.

ولم يكن جميعهم من طبقة واحدة.

كانت هناك عناصر عسكرية مختلفة، ولكل مجموعة قادتها ومصالحها.

وكانت الرواتب والتعيينات والامتيازات جزءًا أساسيًا من السياسة.

ولهذا كان الحاكم الذي يسيطر على الجيش يسيطر على بغداد.

لكن الجيش نفسه يمكن أن يتحول إلى عبىء.

فإذا تأخرت رواتبه،بدأت الاضطرابات.

وإذا شعر قائد أنه مهمش،بدأ يبحث عن تحالف آخر.

وإذا اختلف القادة،تحولت بغداد إلى ساحة صراع.

وهكذا أصبحت الدولة البويهية تعيش على معادلة خطرة،

الجيش يحمي السلطة والجيش نفسه يهدد استقرار السلطة.

الأزمة الاقتصادية، الوجه الآخر للصراع

لم تكن بغداد تعاني من السياسة وحدها.

كانت هناك مشكلات اقتصادية عميقة.

فالعراق يعتمد بدرجة كبيرة على الزراعة وشبكة الري.

وأي اضطراب في قنوات الري أو الأمن أو طرق التجارة ينعكس سريعًا على الأسعار والإنتاج.

كما أن الحروب الداخلية كانت تستنزف الموارد.

وكانت الدولة تحتاج إلى تمويل مستمر لجيوشها.

ومع زيادة النفقات، أصبحت الضرائب والجبايات مصدرًا مهمًا للخزانة.

لكن زيادة الضغط المالي على السكان كانت تؤدي إلى مشكلات جديدة.

وهكذا أصبحت بغداد تعيش بين نارين،

الدولة تحتاج المال،والناس يحتاجون إلى أن يعيشوا.

وكان التوازن بينهما صعبًا.

بغداد التي لم تتوقف عن التفكير

ومع كل هذا لم تتوقف بغداد.

وهذه من أعجب مفارقاتها.

ففي الوقت الذي كان القصر يعيش صراعًا على السلطة،كانت حلقات العلم تعمل.

وكان الفقهاء يدرسون.

وكان المحدثون ينقلون الروايات.

وكان الأدباء والشعراء يتنافسون.

وكانت الكتب تنتقل بين أيدي العلماء.

وظلت بغداد واحدة من أهم مراكز الحضارة الإسلامية.

فالسقوط السياسي ليس بالضرورة سقوطًا حضاريًا.

وقد تكون الدولة ضعيفة،بينما يكون المجتمع قادرًا على إنتاج المعرفة.

لكن استمرار الحضارة يحتاج في النهاية إلى الاستقرار.

وبغداد لم تكن مستقرة تمامًا.

المذاهب والسياسة

كان المجتمع البغدادي متعدد الاتجاهات.

وكان البويهيون من بيئة شيعية، بينما بقيت الخلافة العباسية ذات المرجعية السنية.

لكن من الخطأ اختزال الحياة في بغداد في صراع مذهبي دائم.

فالمشهد كان أكثر تعقيدًا.

كان هناك التنافس على السلطة والمال والنفوذ، وكانت الانتماءات المذهبية تتداخل أحيانًا مع الصراعات السياسية والاجتماعية.

وفي بعض الفترات وقعت اضطرابات بين السنة والشيعة، وظهرت توترات حول الشعائر والمواسم والرموز.

وكان على السلطة أن تتعامل مع مدينة يمكن أن يتحول فيها الخلاف السياسي إلى صدام اجتماعي.

ولهذا كان الحفاظ على بغداد أصعب من مجرد السيطرة على أسوارها.

معز الدولة بين فارس والعراق

كان البويهيون أنفسهم أمام مشكلة أخرى.

فالدولة لم تكن مركزية بالمعنى الحديث.

كان هناك فرع قوي في العراق.

وفروع أخرى في فارس.

وكان لكل أمير طموحه.

وكان التنافس داخل البيت البويهي نفسه أحد أسباب هشاشة النظام.

فإذا قوي أمير،خاف منه الآخرون.

وإذا ضعف أمير العراق،أصبح معرضًا لضغط إخوته وأقاربه.

وبذلك لم تكن بغداد تحكمها قوة واحدة مستقرة.

بل كانت جزءًا من شبكة بويهية واسعة.

وكانت هذه الشبكة ستحتاج باستمرار إلى التوازن بين المصالح.

عضد الدولة، حين بلغت الدولة البويهية ذروتها

ومع مرور الوقت، ظهر رجل سيصبح من أعظم حكام البويهيين،

عضد الدولة فنا خسرو.

كان ابن ركن الدولة، وتمكن تدريجيًا من بناء قوة ضخمة.

وفي سنة 367هـ/978م تقريبًا دخل بغداد وفرض نفوذه عليها، ثم أصبح صاحب الكلمة الأقوى في الدولة البويهية.

وفي عهده بلغت الدولة البويهية واحدة من أقوى مراحلها.

فقد جمع تحت نفوذه العراق وفارس ومناطق واسعة أخرى.

واهتم بالإدارة والعمران.

وكانت له مشاريع مهمة، ومنها الاهتمام بالطرق والمنشآت وشؤون الري.

ومن أشهر ما ارتبط بعصره البيمارستان العضدي في بغداد، الذي أصبح رمزًا لازدهار الطب والمؤسسات العلمية.

وهنا نرى وجهًا آخر للحكم البويهي

لم يكن عصرهم مجرد صراع عسكري.

بل شهد أيضًا رعاية للعلم والعمران والثقافة.

عضد الدولة والخليفة

لكن حتى في ذروة القوة البويهية

ظل الخليفة العباسي موجودًا.

وكان عضد الدولة أكثر قوة من معظم من سبقه من الأمراء.

وفي عهده أصبح التوازن أكثر وضوحًا

الخليفة رمز الخلافة،

وعضد الدولة صاحب السلطة الفعلية.

وكان هذا النموذج قد ترسخ.

لكن كل نظام يعتمد على قوة رجل واحد يكون معرضًا للاهتزاز بعد موته.

وعندما توفي عضد الدولة سنة 372هـ/983م بدأت الدولة البويهية تدخل مرحلة جديدة.

فالأبناء والأمراء بدأوا يتنافسون.

والقوة التي جمعها رجل واحد بدأت تتوزع.

وبدأت الخلافة تلتقط أنفاسها مرة أخرى.

من قوة البويهيين إلى ضعفهم

لم يكن سقوط البويهيين مفاجئًا.

كان نتيجة تراكم طويل.

الصراع بين الأمراء.

الأزمات المالية.

اعتماد الدولة على الجند.

تراجع القدرة على السيطرة على الأقاليم.

ثم ظهور قوى جديدة في المشرق.

وكانت أخطر هذه القوى . السلاجقة. فبينما كان البويهيون يتراجعون، وكان السلاجقة يتقدمون. وكانوا يملكون جيشًا قويًا وطموحًا سياسيًا واسعًا. وكان الخليفة العباسي يراقب المشهد. لقد عاش عقودًا تحت نفوذ البويهيين. والآن ظهرت فرصة للتخلص منهم.

لكنها كانت فرصة تحمل سؤالًا مخيفًا.. إذا دخل السلاجقة بغداد هل سيعيدون للخليفة سلطته، أم سيأخذون مكان البويهيين؟

وكانت الإجابة ستظهر عندما وصل رجل من السلاجقة إلى أبواب بغداد. اسمه(طغرل بك). وفي سنة 447هـ/1055م,دخل بغداد. وانتهى عهد البويهيين.

لكن الخلافة العباسية لم تستعد سلطانها الكامل. بل انتقلت من وصاية إلى وصاية. ومن قوة عسكرية إلى قوة عسكرية. ومن هنا يبدأ فصل جديد من القصة،

السلاجقة

حين جاء طغرل بك إلى بغداد، واستقبل الخليفة منقذه الجديد لكن وراء هذا الاستقبال كانت هناك صفقة سياسية عميقة ، الخليفة يحتاج إلى السلاجقة للخلاص من البويهيين. والسلاجقة يحتاجون إلى الخليفة لمنح دولتهم الشرعية. وهكذا ستتكرر اللعبة نفسها. لكن بأسماء جديدة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى