الدين و الحياة

الشفرة النبوية.. كيف فك النبي شفرة القبائل والملوك؟

الشفرة النبوية.. كيف فك النبي شفرة القبائل والملوك؟

 

بقلم: ياسر وزيري

لم تكن معجزة النبي محمد صلى الله عليه وسلم أنه انتصر في المعارك، فكثيرون انتصروا، ولكن المعجزة أنه فك شفرة الإنسان العربي والإنساني كله، وحول أمة كانت تتقاتل على بئر ماء لأربعين سنة، إلى أمة تقود العالم، وخاطب ست إمبراطوريات في يوم واحد فاهتزت له عروشها.

فما هي هذه الشفرة النبوية؟

كانت العرب قبائل متناحرة لا يجمعها جامع. الأوس والخزرج في المدينة أفنتهم حرب بُعاث التي استمرت 120 عاماً. عبس وذبيان وحرب داحس والغبراء. لا قانون ولا دولة، قانونهم فقط: انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً بمعناها الجاهلي.

جاء النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث شفرات فتح بها القلوب قبل الحصون.

الشفرة الأولى: شفرة توحيد القبائل

لم يقل لهم توقفوا عن القتال كأمر عسكري، فالعربي لا يطيع الأمر، ولكنه يموت من أجل الأخوة والكرامة. فكانت أول خطوة بعد بناء المسجد هي المؤاخاة. آخى بين المهاجر القادم بلا مال ولا بيت، والأنصاري صاحب الأرض والنخل. حتى قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف: هذا مالي أقسمه بيني وبينك. لم يكن هذا قراراً اقتصادياً، بل كان كسراً لشفرة الأنانية القبلية وزرعاً لشفرة جديدة اسمها أخوة العقيدة.

ثم جاءت العبقرية الثانية وهي صحيفة المدينة، أول دستور مدني مكتوب في التاريخ. وثيقة من 52 بنداً، جعلت المسلمين واليهود والأوس والخزرج أمة واحدة من دون الناس. لم يلغ انتماءهم لقبائلهم، بل وضع فوقه انتماءً أكبر هو المواطنة، وكتب فيها: لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، وأن النصر للمظلوم، وأن حرمة المدينة واحدة على الجميع. فحولها من ساحة حرب أهلية إلى دولة.

الشفرة الثانية: شفرة مخاطبة القلوب

كان صلى الله عليه وسلم لا يخاطب الناس بخطاب واحد، وهي الشفرة التي سماها الصحابة جوامع الكلم. كان يعرف مفتاح كل شخص.

يخاطب أبا بكر الرقيق بكلام رقيق، ويخاطب عمر القوي بمفتاح القوة والمسؤولية فيقول له ما سلكت فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً غير فجك، ويخاطب خالد بن الوليد القائد العسكري فيحول اسمه من سيف قريش إلى سيف من سيوف الله، ويخاطب الطفل الصغير أنس بن مالك فيناديه يا أنيس.

حتى في الحرب كانت له شفرته السرية. كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها، لا يعلن عن وجهته. وكان يقول الحرب خدعة، وفي غزوة الأحزاب استخدم الصحابي نعيم بن مسعود كشفرة سرية ليوقع بين قريش ويهود بني قريظة، ففكك تحالف عشرة آلاف مقاتل بكلمة، دون أن يرفع سيفاً.

الشفرة الثالثة: شفرة الملوك

وفي السنة السابعة للهجرة بعد صلح الحديبية، فعل ما لم يفعله زعيم عربي من قبل. أرسل في يوم واحد ست رسائل إلى ملوك العالم، وكل رسالة مشفرة بلغة الملك نفسه.

إلى هرقل عظيم الروم، خاطبه بلقبه المحبب عظيم الروم، وخاطبه بمنطق الإنجيل: يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، وقال له أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين.

وإلى كسرى عظيم فارس، ملك أكبر إمبراطورية في الأرض، أرسل له رسالة مختصرة قوية: من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. فمزق كسرى الرسالة تكبراً، فكانت شفرة الرد النبوي: مزق الله ملكه. وبعد أقل من عامين تمزق ملك كسرى على يد ابنه.

وإلى المقوقس عظيم القبط في مصر، أرسل رسالة كلها ود ولين، فكان رد المقوقس أن أهداه مارية القبطية.

السر أنه لم يرسل نصاً واحداً للجميع. درس نفسية كل إمبراطور. مع الرومي خاطبه بالدين، ومع الفارسي خاطبه بالسلطة، ومع المصري خاطبه بالرحم والود.

إن الشفرة النبوية لم تكن طلاسم ولا سحراً. كانت حكمة عميقة ومعرفة بالناس ورحمة واسعة. عرف أن وراء كل سيف قلباً يريد الأمان، ووراء كل عرش أذناً تريد الاحترام. فمن أراد اليوم أن يوحد شعباً متناحراً أو يخاطب عالماً مضطرباً، فليعد إلى شفرة المدينة المنورة: أخوة صادقة، ودستور عادل، وكلمة طيبة تخرج من القلب فتستقر في القلب.

زر الذهاب إلى الأعلى