الرد على أكذوبة أن الإسراء والمعراج حيلة أموية.. الحق حق ولو كره المبطلون
بقلم / عادل شلبي
انتشر في السنوات الأخيرة كلام عجيب منسوب لبعض الكتاب يقول: إن الإسراء والمعراج أكذوبة اخترعها بنو أمية ليصرفوا الناس عن الحج في مكة أيام عبد الله بن الزبير، وأن كلمة “المعراج” خطأ لغوي، وأن سورة النجم لا تتحدث عن عروج بل عن نزول.. وغير ذلك من الشبهات التي تبدو في ظاهرها بحثاً علمياً، وهي في باطنها هدم لركن من أركان العقيدة.
ونحن نرد هنا بالمنطق والعقل والنقل، لا بالسباب، لأن صاحب الحق لا يحتاج صراخاً.
أولاً : شبهة أن كلمة “المعراج” خطأ لغوي.. وهذا جهل باللغة
يقولون : المعراج اسم آلة على وزن مفعال مثل مفتاح ومحراث، فلا يصح.
وهذا كلام يضحك منه أي طالب في أولى إعدادي أزهر.
في اللغة العربية، وزن مِفعال لا يأتي اسم آلة فقط، بل يأتي اسم مكان وزمان أيضاً.
– تقول : مِيعاد من وعد، وهو زمان الوعد ومكانه، وليس آلة.
– وتقول : مِيقات من وقت، وهو مكان الإحرام وزمانه.
– وتقول : مِعراج من عرج، وهو مكان العروج وطريقه وسلمه.
وقد أجمع أئمة اللغة : ابن منظور في لسان العرب، والفيروزآبادي في القاموس، والزمخشري.. كلهم قالوا: المعراج : السلم، وكل ما يُعرج عليه إلى السماء.
فليست خطأ لغوياً، بل هي فصيحة صريحة، واستعملها العرب قبل الإسلام.
ثانيا : شبهة أن الجمع بين الإسراء والمعراج حيلة أموية
وهذه هي الطامة الكبرى، وهي أكذوبة تاريخية لا تصمد أمام دقيقة بحث.
يزعمون أن عبد الملك بن مروان اخترع المعراج ليصرف الناس عن مكة التي كان يحكمها عبد الله بن الزبير إلى المسجد الأقصى.
ونسأل بالمنطق :
1- هل يعقل أن يخترع بنو أمية حديثاً يمجد المسجد الأقصى وهو في الشام، والشام كانت في يدهم أصلاً؟ لو أرادوا صرف الناس لصرفوهم إلى مسجد دمشق الذي بنوه.
2- كيف يخترع بنو أمية حديثاً فيه أن الصلاة فُرضت 50 صلاة ثم خُففت إلى 5 بشفاعة موسى؟ هل بنو أمية يريدون تخفيف العبادة على الناس؟
3- والأهم : حادثة الإسراء والمعراج رواها أكثر من 40 صحابياً*، منهم أنس بن مالك، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، وأبو هريرة، وعائشة.. ورواها البخاري ومسلم قبل أن يولد من يطعن فيها بألف سنة. فهل كل هؤلاء الصحابة كانوا موظفين عند بني أمية ؟
بل إن كفار قريش أنفسهم لم ينكروا أن النبي قال أنه أسري به. لو كانت كذبة أموية متأخرة، لكانت قريش أول من كذبتها وقتها. بل ذهبوا إلى أبي بكر وقالوا: صاحبك يزعم أنه ذهب لبيت المقدس الليلة وعاد. فقال أبو بكر قولته الخالدة: “إن كان قال فقد صدق”.. ولذلك سمي الصديق.
هل أبو بكر كان أموياً أيضاً؟
ثالثاً : شبهة أن سورة النجم تتحدث عن نزول لا عروج
يقولون: سورة النجم تقول “النجم إذا هوى” و “دنا فتدلى” و “نزلة أخرى” فكلها نزول.
وهذا تدليس متعمد.
اقرأ الآيات بتجرد :
“علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى، وهو بالأفق الأعلى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى”
من الذي دنا فتدلى؟ بإجماع المفسرين وأهل اللغة والسياق : هو جبريل عليه السلام ، الذي دنا من النبي محمد صلى الله عليه وسلم ليعلمه.
ثم يقول تعالى : “ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى”
رآه: أي رأى محمد جبريل على صورته الحقيقية مرة ثانية، والنزلة هنا لا تعني أن محمداً نزل، بل تعني أن جبريل نزل من السماء ليراه النبي. والعرب تقول “نزلة” بمعنى “مرة”.
وسدرة المنتهى : ليست شجرة في الأرض كما يتوهمون. النبي نفسه فسرها في الحديث الصحيح في صحيح مسلم: “سدرة المنتهى في السماء السابعة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها”
فمن أين أتوا بأنها في الأرض ؟
رابعاً : شبهة أن الإسراء ذكر في سورة والمعراج في سورة أخرى وبينهما سنوات
يقولون : كيف تكون حادثة واحدة وتذكر في سورتين بينهما 20 سورة ؟
والجواب بسيط : القرآن ليس كتاب تاريخ يسرد الحادثة في فصل واحد.
الله ذكر قصة موسى في 20 سورة، وذكر غزوة بدر في البقرة وآل عمران والأنفال.. فهل هذا يعني أن موسى لم يوجد؟
الإسراء ذكر في أول سورة الإسراء تأكيداً للرحلة الأرضية من مكة للقدس: “سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً”
والمعراج ذكر في سورة النجم تأكيداً للرحلة السماوية من القدس إلى السماء : “عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى”
لأن الإسراء كان معجزة أرضية رأى الناس مقدماتها (المسجد الأقصى)، أما المعراج فكان معجزة سماوية غيبية لا يراها إلا النبي، فذكرها الله في سورة النجم التي تتحدث عن الوحي والغيب.
خامساً : الصلاة فرضت في المعراج.. وهذا فخر لا طعن
يقولون : كيف فرضت الصلاة في مكة وكان المسلمون يصلون مرتين فقط ؟
نعم.. كانوا يصلون ركعتين في الصباح وركعتين في المساء. فلما عرج بالنبي فرضت الخمس صلوات، وظلت ركعتين ركعتين حتى هاجر للمدينة فأقرت صلاة السفر وبقيت صلاة الحضر أربعاً إلا المغرب والفجر.
وهذا في كتب السيرة كلها، وليس تناقضاً بل تدرج تشريعي.
الخلاصة يا سادة :
حادثة الإسراء والمعراج ليست حكاية يرويها القصاصون في الموالد.
هي حادثة متواترة رواها البخاري ومسلم، وآمن بها الصحابة، وكفر بها كفار قريش لأنهم فهموا أنها معجزة حقيقية، وليست مناماً.
من ينكر المعراج اليوم لا يطعن في بني أمية، بل يطعن في أبي بكر الصديق الذي صدقها، وفي ابن عباس ترجمان القرآن الذي فسرها، وفي 40 صحابياً رووها.
وهدف هذه الشبهات ليس البحث العلمي كما يدعون بقول ابن النفيس، بل هدفها نزع القداسة عن المسجد الأقصى، حتى إذا قلنا لهم: الأقصى عقيدة.. قالوا لكم : بل هو أكذوبة أموية.
فاحذروا..
الحق حق في نفسه، لا لقول الناس له، كما قال ابن النفيس.. والحق أن محمداً صلى الله عليه وسلم أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرج به إلى سدرة المنتهى، ورأى من آيات ربه الكبرى.








