الضمير الرقمي.. حين مات الضمير على السوشيال ميديا
بقلم: الكاتب ياسر وزيرى
في المقال السابق كتبت لكم أن الضمير هو الوطن الحقيقي داخل الإنسان، وأن أزمتنا ليست أزمة مال بل أزمة ضمير.
واليوم.. انتقلت أزمة الضمير من الشارع ومن المصنع ومن المكتب، إلى مكان أخطر.. إلى شاشة الموبايل.
صرنا نعيش في زمن الضمير الرقمي الميت.
افتح هاتفك.. ستجد طبيباً يبيع الوهم، وتاجراً يبيع سلعة مغشوشة بفيديو مُبهر، وشاباً يصنع ترند بالكذب على الناس، وآخر يشهر بإنسان ليأخذ بضع لايكات. كل شيء أصبح مباحاً من أجل المشاهدة.
نحن لا نكذب في الواقع، لكننا نكذب باحتراف على السوشيال ميديا. نُظهر ما لا نبطن، ونبيع ما لا نملك، وننصح بما لا نفعل.
أين الضمير الرقمي؟
الضمير الرقمي هو أن تخاف الله في كلمة تكتبها وأنت لا تعرف من سيقرأها. هو أن تعلم أن الكذبة التي تنشرها في ثانية، قد تهدم بيتاً في دقيقة، وقد تقتل سمعة إنسان بناها في سنين.
هو أن تتقي الله في تعليق، في شير، في فيديو، في إشاعة تطلقها وأنت جالس في غرفتك وتظن أن لا أحد يراك.
يا سادة..
السوشيال ميديا لم تعد وسيلة ترفيه، أصبحت سوقاً كبيراً للضمائر. من كان ضميره حياً في الواقع، ظهر حياً على صفحته. ومن كان ضميره ميتاً في الواقع، فضحته شاشته.
المصيبة أننا نربي أولادنا على أن النجاح هو عدد المتابعين، لا عدد القيم. نعلمه كيف يصور، ولا نعلمه كيف يصدق. نعلمه كيف يربح من الترند، ولا نعلمه أن الرزق الحرام الذي يأتي من الكذب والتضليل، هو نار في البيت قبل أن يكون مالاً في الجيب.
اسأل نفسك قبل أن تنشر:
هل ما أنشره سينفع الناس أم سيضرهم؟
هل هذه الحقيقة أم أنا أزيفها لأجل الشهرة؟
هل أرضي الله بهذا المحتوى أم أرضي الشيطان؟
إن الكلمة أمانة، والصورة أمانة، والفيديو أمانة، وكل متابع لك يوم القيامة سيسألك الله عنه: ماذا قدمت له؟ علمته خيراً أم ضيعته بفراغ؟
عودوا إلى ضمائركم الرقمية يرحمكم الله..
نظفوا صفحاتكم كما تنظفون بيوتكم.
احذفوا الكذب من هواتفكم قبل أن تحذفوا الغبار من على شاشاتكم.
ازرعوا الصدق في أولادكم قبل أن تزرعوا لهم الواي فاي في كل غرفة.
فالوطن الذي بلا ضمير في واقعه، سيموت ضميره في عالمه الافتراضي أيضاً. والبيت الذي بلا صدق، سيكون ترنده كاذباً وإن جمع مليون لايك.








