أيُّ طبعٍ غريبٍ للحب!
لا أعرف كيف أحبُّ رجلاً واحداً بهذا التبذير؛ كلُّ ما ادَّخرته من عاطفة العمر أنفقته في تخيُّل يومٍ واحدٍ معه.. فنادراً ما يوجد شغف حقيقيٌّ دون القليل من الخيال.
أغلقت عينيها، واختلست من الزمن قروناً، وتجسَّدت أمامها فكرة: ماذا لو كنتُ في عصر الجواري، وفي كنف سيِّدٍ أحبُّه لأعيدُ إليه شيئاً من فطرته التي أفسدتها معارك الحياة، وأجدُ عنده ما يعيد إليَّ فطرتي، وأختبرُ معه معنى الطاعة والغيرة والاحتواء.
كانت تواصل هذه الأفكار وهي داخلةٌ إلى غرفتها ثم وألقت بنفسها على سريرٍ ذي وسادةٍ واحدة. .
أطبقت جفنيها، لتستقبل في عتمة الهدوء نوراً آخر لا يدركه الواقع، وتركت بابًا في قلبها مواربًا، لعلَّه يعبر إليها ذات حلم…
وما بين غمضة عينٍ وطيف خيال، غابت عن عالمها، لتبدأ روحها رحلةً إلى زمنٍ آخر؛
بعقل وقلب وجسد جاريةً منسوجةً من اللطف واللين.. تفيق في مخدع تعبق أرجاؤه برائحة البخور، يغمرها وهجٌ خافتٌ لقناديلَ زجاجيةٍ تتهادى ظلالُها على ستائرَ مخمليةٍ، وفي الزاوية مائدة نحاسية تفترشها بقايا سهرة دافئة وبجوارها رجلٌ بوجه حبيبها، وقلب محارب، وعقل حكيم..
هبطت بكامل انحنائها على يديه، تُقبِّلهما، وألقت عليه تحية صباحٍ ممزوجةً ببسمةٍ صافية:
— عِمتَ صباحاً، سيِّد المعارك وتاج رأسي.
وضع كفَّيه على وشاحٍ حريريّ يُغطِّي رأسها، ورفع وجهها إليه قائلاً:
— وعِمتِ صباحاً، أيَّتها البهيَّة الجميلة.
قالت:
— أخشى أن أكون قد أيقظتُك من منامك وأنا أُصلِّي في جوف الليل وأتأمَّلك.
فهتف لها:
— كيف توقظينني وأنتِ حارسة ليلي؟!
أو لم تعلمي، يا فاتنتي، أنَّ الأمان يتسلَّل إليَّ بدعائك؟
سكبت له كوباً من الحليب، ومزجته بأنفاسها، ومدَّته إلى فمه ليحتسيه، ثم ودَّعته بكل وداعة وأمل في اللقاء، وكأنها تحيا من أجله.
مرَّ النهار بطيئاً، وكانت تنتقل بين ساعات يومها؛ تفكِّر فيه تارةً، وتارةً أخرى تشغل شغفها بفكرةٍ جديدة: كيف تمحو عنه تعب يومٍ كامل؟
ومع حلول الليل، أقبل سيِّدها إليها، متخفِّفاً من أثقاله ودروعه؛ ليضع عند عتبة بابها كلَّ معاركه. استقبلته بابتسامة قلبٍ وشغف طفلة، وأطعمته، ثم جلست قربه تُطيِّب يديه بماء الورد.
ثم رمى رأسه إلى الخلف وأغمض عينيه، فاختارت أن تضع رأسه على كتفيها، وتترك خصلات شعرها الأسود تحتضن وجهه.
فقال لها:
— ما بكِ، يا فاتنتي؟ أشعر أنَّ نبضات قلبكِ تهرول. أهذا شوقٌ أم خوف؟
فتنهَّدت قالت
كلاهما يا سيدى
— سمعت اليوم امرأةً عجوزاً تستند إلى جذع شجرة، وتنادي علينا وتردِّد على مسامعنا أنَّه سيأتي زمانٌ ،يُطلقون علينا نحن سيدات هذا العصر وصف الجواري، وينعتوننا باللعوب في قصصهم.. ويتآمرون من أجل إسقاط أخلاقنا، ويدَّعون أنَّنا لم نُخلق إلا لمعانقة الرجال..
واكملت العجوز رؤيتها قائلة أن فى ذلك الزمان، ستتخلَّى بعض النساء عن حنانهن، وربما يقفن بجانب الرجال صفّاً بصف بل نِدّاً بندٍّ، وسيتزوَّجن وفق شرعٍ آخر وفطرةٍ أخرى.
وهؤلاء سيكنَّ أكثر خشونةً في الفكر، وليونةً في الملبس؛ سيتعطَّرن للجميع، ويأخذن المبادرة..
ومن بعض شرائعهم أنَّ المرأة التي تحكم سيِّدها ستكون أقواهن واذكهن، وربما تنال تاجا! ولن يشغلها أن يعود إليها راضياً، أو ينام إلى جوارها آمنًا.
أمَّا الرجال، فسيخوضون معارك الخارج، وكذلك معارك أخرى داخل ديارهم..
ومنهم مَن سيكون اقوى انتصاراته هو تحدِّي وليفته، .وهناك مَن سيُمنح حنانه واحتواءه بشروط!
وستتحوَّل القبيلة إلى ما يُسمَّى “مجتمعاً»، ويُقرُّون قوانين يستمدُّون منها هذه الفوضى، ويصبح كلُّ طرفٍ هو السليم في الحكاية
سيِّدي، أخشى على ذلك الزمن من مرارة التحوُّلات. لا أدري كيف يستكين الرجل وتتوحَّش المرأة!
فقال لها:
— نعم، يا فاتنتي، سمعتُ هذه العجوز، ولكن ربما تكون خرافة.. لا تشغلي بالكِ؛ نحن عشاق لا تنطبق عليهم دائرة الزمن.
وتنفس بأذنيها، وهمس:
— أنتِ واحة دفءٍ حانية، وكل ما أريده منكِ أن تضعي رأسي على صدركِ حتى يهدأ التاريخ.
فاحتمت في عباءته، وبين اضلعه همست:
— الغوص في أعماقك كالنعيم الذي أتحرَّر فيه من خوفي، وبوجودك علمتُ حقيقة تكويني…
صاح الديك، وانشق النهار
استيقظت الحالمة من غفوتها ببطء شديد، وظلَّ شيءٌ من روحها عالقاً بذلك العصر البعيد، ربما عاشت فيه ما يكفيها من الدفء والاحتواء.. بصوته وملامحه، وطمأنينة رأسه المتكئ على صدرها…
ثم ابتسمت بحزنٍ خفيف، وقالت:
كم كان جميلاً ذلك العصر!
ولكن، كيف لي أن أختصر ذاتي في زمنٍ واحد؟
فأنا أحياناً مرمية الخاطر، ناعمةٌ كأنني خُلقت من حرير، وأحياناً أخرى يائسةٌ حائرة، غارقة في واقعٍ لا يشبهني،
ولكن، ما ضرَّ العالم أن عشتُ ولو ليلةً بأخلاق جارية
في كلِّ كلمةٍ حكايةٌ غير مألوفة
وفي كلِّ حرفٍ جزءٌ منِّي..
ربما أرتجلُ وربما أتخيَّل
لكنَّ ما في داخلي بان..
فهل عليه الأمان أم الكتمان؟








