المغول. التاريخ من وراء الستار
بقلم / محمد مصطفى كامل
لم تكن الخلافة العباسية قد ماتت حين فقدت سلطانها، لكنها كانت قد تحولت إلى اسمٍ أكبر من قدرتها على الحكم.
سنوات طويلة جلس فيها الخليفة في بغداد، بينما كان السيف في يد غيره، والقرار يصدر من خارج قصره.
لكن التاريخ لا يبقى على حال.
فحين بدأت الدولة السلجوقية تتصدع من الداخل، ظهرت أمام العباسيين فرصة نادرة،
أن يستعيد الخليفة ما فقده، وأن تتحول بغداد من عاصمة تحمل اسم الخلافة إلى عاصمة يحاول الخليفة أن يحكم منها من جديد.
ومن هنا بدأت رحلة استعادة السلطة.
رحلة بدأت بالمقتفي، وتطورت مع المستنجد والمستضيء، ثم بلغت ذروة أكثر طموحًا مع الناصر لدين الله.
لكن استعادة الهيبة لم تكن تعني عودة الإمبراطورية.
فبينما كانت بغداد تحاول استرداد سلطانها، كانت قوى جديدة تتحرك في أطراف العالم الإسلامي.
وفي الأفق البعيد كان خطر لم يكن أحد في بغداد يتصور حجمه بعد، يستعد لعبور آسيا.
حين بدأت الخلافة تستعيد نفسها
من المقتفي إلى المستضيء، بغداد تحاول استرداد سلطانها
بعد عقود طويلة من الزمن كان الخليفة العباسي قد اعتاد أن يرى السلطة تنتقل من يده إلى يد غيره.
مرة إلى قائد تركي.
ومرة إلى أمير بويهي.
ومرة إلى سلطان سلجوقي.
كان الخليفة يجلس في القصر.
لكن الجيوش تتحرك بأوامر غيره.
وكانت بغداد عاصمة الخلافة،لكن القرار الحقيقي قد يكون خارج أسوارها.
إلا أن التاريخ كان يستعد لتغيير جديد.
فالدولة السلجوقية، التي بدت في عهد ملك شاه قوة هائلة، بدأت بعد وفاته تدخل في دوامة من الصراعات.
الأمراء يتنافسون.
والأقاليم تتباعد.
والجيش ينقسم.
والخلافة العباسية تراقب.
وهنا ظهرت فرصة لم تكن متاحة منذ زمن طويل .
أن يستعيد الخليفة شيئًا من سلطته.
المقتفي لأمر الله، الخليفة الذي بدأ يسترد بغداد
تولى المقتفي لأمر الله الخلافة سنة 530هـ/1136م.
ولم يكن رجلًا يريد أن يعيش كخليفة رمزي.
كانت بغداد في ذلك الوقت قد شهدت تغيرًا كبيرًا.
السلاجقة أنفسهم لم يعودوا بالقوة التي كانوا عليها في عصر طغرل وألب أرسلان وملك شاه.
وأصبح نفوذهم في العراق أقل استقرارًا.
فبدأ المقتفي يستغل الفرصة.
لم يكن يستطيع أن يعلن حربًا شاملة على كل القوى المحيطة به.
لكنه كان يعرف أن استعادة السلطة تبدأ من الداخل.
من بغداد نفسها.
بغداد أولًا
كان المقتفي يعمل على تقوية المدينة.
فالخليفة الذي يريد أن يصبح صاحب سلطة يحتاج إلى شيء بسيط جدًا:
قوة تحميه.
ولهذا اهتم ببناء قوة عسكرية مرتبطة بالخلافة.
وأخذت الخلافة تستعيد السيطرة على مناطق حول بغداد.
وبدأ النفوذ العباسي يتوسع تدريجيًا.
لم تكن إمبراطورية الرشيد قد عادت.
لكن شيئًا مهمًا حدث .
الخليفة بدأ يحكم بنفسه.
وهذه النقطة، في سياق التاريخ العباسي، ليست صغيرة على الإطلاق.
لماذا كان هذا التحول ممكنًا الآن؟
لأن السلاجقة أنفسهم أصبحوا أضعف.
فبعد ملك شاه دخلت الدولة في صراعات داخلية.
لم يعد هناك سلطان واحد يفرض سيطرته على كل المناطق.
وأصبحت القوى المحلية أكثر استقلالًا.
وكان العراق بعيدًا عن مراكز القوة السلجوقية الرئيسية.
وهكذا استطاع الخليفة أن يتحرك في المساحة التي تركها ضعف السلاجقة.
وهنا تظهر قاعدة تاريخية مهمة .
الدول لا تستعيد قوتها دائمًا لأنها تصبح قوية فجأة؛ أحيانًا تستعيدها لأن خصومها يصبحون أضعف.
والمقتفي فهم هذه القاعدة جيدًا.
لكن بغداد لم تكن وحدها
في العالم الإسلامي ظهرت قوى أخرى.
في مصر والشام كانت هناك الدولة الفاطمية ثم الأيوبيون.
وفي الموصل ظهر الزنكيون.
وفي مناطق أخرى ظهرت قوى محلية قوية.
وكانت بغداد بحاجة إلى التعامل مع هذه القوى بحذر.
فإذا تحالفت مع قوة أصبحت مدينة معرضة لنفوذها.
وإذا عادت إلى سياسة العزلة فقد تجد نفسها محاصرة.
ولهذا كان الخليفة بحاجة إلى الدبلوماسية مثل حاجته إلى الجيش.
الزنكيون ، القوة التي ستغير الشرق
في الموصل ظهر عماد الدين زنكي.
وكان رجلًا عسكريًا قويًا استطاع بناء دولة واسعة في العراق والشام.
وكانت المنطقة في ذلك الوقت تواجه الحملات الصليبية.
وأصبح الصراع مع الصليبيين عاملًا مهمًا في تشكيل السياسة الإقليمية.
لكن بالنسبة إلى بغداد كان السؤال !
هل يمكن استخدام القوة الزنكية لحماية العراق دون أن تتحول هي نفسها إلى تهديد للخليفة؟
وكانت العلاقة بين بغداد والقوى الإقليمية تقوم دائمًا على هذه المعادلة الدقيقة.
المسترشد بالله، الخليفة الذي حمل السيف
قبل المقتفي كان هناك المسترشد بالله، الذي تولى الخلافة سنة 512هـ/1118م.
وكان من الخلفاء الذين حاولوا استعادة نفوذ العباسيين.
ولم يكتفِ بالبقاء في بغداد.
بل دخل في صراعات عسكرية وسياسية مع القوى السلجوقية.
وكانت هذه المحاولة دليلًا على أن الخلافة بدأت تستعيد شيئًا من الطموح السياسي.
لكن الطريق كان خطرًا.
وفي سنة 529هـ/1135م انتهت حياة المسترشد بطريقة مأساوية بعد وقوعه في الأسر، وقُتل.
لكن مشروعه لم يمت.
فبعده جاء المقتفي.
وكان أكثر حذرًا.
وأكثر قدرة على استغلال الظروف.
المقتفي و سياسة النفس الطويل
لم يحاول المقتفي أن يستعيد كل شيء في يوم واحد.
وهذا ربما كان سر نجاحه.
بدأ بتثبيت بغداد.
ثم تقوية الجيش.
ثم توسيع النفوذ.
ثم استغلال الصراعات بين خصومه.
وكان يعرف أن بغداد ليست بحاجة إلى معركة واحدة.
بل إلى سنوات من العمل.
وبالفعل، أصبحت الخلافة في عهده أكثر استقلالًا.
وبدأت بغداد تستعيد بعض الأراضي والنفوذ في العراق.
ثم جاء خليفة آخر أكمل الطريق:
المستنجد بالله
تولى المستنجد سنة 555هـ/1160م.
وكانت الدولة العباسية قد قطعت شوطًا مهمًا في استعادة السلطة.
لكن بغداد لم تكن قد وصلت بعد إلى ذروة قوتها.
وكانت هناك تحولات هائلة في المنطقة.
القوى الصليبية.
الزنكيون.
ثم صعود صلاح الدين الأيوبي.
وفي الشرق كانت قوى أخرى تتشكل.
وفي بغداد كان العباسيون يحاولون الاستفادة من كل هذه التغيرات.
المستضيء بالله.
بغداد تزداد قوة
تولى المستضيء بأمر الله الخلافة سنة 566هـ/1170م.
وفي عهده استمرت الخلافة في تعزيز نفوذها.
لكن شيئًا أكبر كان يقترب.
رجل سيجعل من الخلافة العباسية مشروعًا سياسيًا أكثر نشاطًا.
رجل سيحاول أن يمد نفوذ بغداد إلى خارج العراق.
ويستخدم الدين والدبلوماسية والسياسة والتحالفات لإعادة بناء صورة الخليفة.
رجل سيحكم مدة طويلة جدًا.
وسيصبح من أكثر خلفاء بني العباس إثارة للجدل.
إنه الناصر لدين الله
الناصر, الخليفة الذي لم يرضَ بأن يكون رمزًا
تولى الناصر لدين الله الخلافة سنة 575هـ/1180م.
وكانت الدولة العباسية قد تغيرت كثيرًا منذ عهد هارون الرشيد.
لم تعد إمبراطورية تمتد على معظم العالم الإسلامي.
لكن الناصر لم ينظر إلى ذلك باعتباره قدرًا نهائيًا.
لقد أراد أن يجعل الخلافة لاعبًا سياسيًا مرة أخرى.
وكان يعرف أن السيف وحده لا يكفي.
فاستعمل الدبلوماسية والتحالفات
والرمزية الدينية والنفوذ السياسي…
والشبكات الاجتماعيةوالعلاقات مع القوى المختلفة.
وكان عصره سيشهد واحدة من أكثر محاولات استعادة الهيبة العباسية طموحًا.
لكن الناصر لم يرث دولة قوية
وهذه نقطة مهمة.
عندما وصل الناصر إلى الخلافة، كانت بغداد قد استعادت جزءًا من قوتها.
لكنها لم تكن إمبراطورية.
كان العراق هو المركز الحقيقي للنفوذ العباسي.
وكانت القوى المحيطة أقوى عسكريًا في كثير من الأحيان.
فكيف يستطيع خليفة في بغداد أن يؤثر في سلطان موجود في المشرق أو حاكم قوي في الشام أو فارس؟
هنا بدأ الناصر يفكر بطريقة مختلفة.
إذا لم تستطع الخلافة أن تحكم العالم بالسيف،فربما تستطيع أن تؤثر فيه بالشرعية.
الشرعية كسلاح
أدرك الناصر أن اسم العباسيين ما زال يحمل قيمة هائلة.
فالخليفة هو رمز الوحدة السياسية والدينية لكثير من المسلمين.
وكان الاعتراف بالخليفة يمنح الحاكم قدرًا من المشروعية.
وهكذا بدأ الناصر يستخدم مكانته للتدخل في التوازنات السياسية.
وفي عهده أصبحت بغداد مرة أخرى مركزًا مهمًا للدبلوماسية.
وكانت الرسائل والسفارات والتحالفات جزءًا من أدوات الحكم.
لكن الناصر لم يعتمد على السياسة وحدها.
كان يريد أن يصنع لنفسه حضورًا شعبيًا أيضًا.
الفتوة، القوة الناعمة للخليفة
من أبرز الوسائل التي ارتبطت بعهد الناصر اهتمامه بنظام الفتوة.
وكانت الفتوة تحمل معاني الشهامة والكرم والنبل والالتزام الأخلاقي، لكنها أصبحت في عهد الناصر جزءًا من مشروع سياسي واجتماعي أوسع.
عمل الناصر على توحيد بعض أشكال الفتوة تحت مظلة الخلافة، وربطها بشخصه.
وهكذا لم يعد الخليفة مجرد رجل داخل قصر.
بل أصبح يحاول أن يكون حاضرًا في المجتمع نفسه.
وكان هذا تحولًا ذكيًا.
لأن السلطة التي تعتمد على الجيش فقط قد تنهار إذا انهزم الجيش.
أما السلطة التي تمتلك شبكة من الولاءات والرموز والعلاقات الاجتماعية،فيمكنها أن تعيش أطول.
بغداد في عصر الناصر
ازدهرت بغداد في جوانب متعددة.
فاستمرت حركة العلم.
وظلت المساجد والمدارس ومجالس العلماء عامرة.
وتواصلت حركة التجارة.
واستمرت مكانة بغداد كمركز ثقافي.
لكن الناصر كان يعرف أن بغداد ليست جزيرة معزولة.
ففي الشرق كانت قوة جديدة تزداد خطورة .
الخوارزميون.
وفي الغرب كانت الدولة الأيوبية قد أصبحت قوة كبرى.
وفي الشام ومصر كان العالم الإسلامي يعيش صراعًا مع الصليبيين.
وفي قلب كل ذلك كانت بغداد تحاول أن تستعيد دورها.
ولكن خلف هذا المشهد كانت هناك مشكلة
كان الناصر يريد إعادة بناء النفوذ العباسي.
لكن القوى الكبرى لم تكن مستعدة دائمًا لقبول ذلك.
فكل سلطان لديه دولته وجيشه ومصالحه.
ولم يكن مستعدًا للتخلي عن سلطته لمجرد أن الخليفة في بغداد يريد ذلك.
ولهذا دخل الناصر في شبكة معقدة من التحالفات والمنافسات.
وأحيانًا كانت سياسته تقوم على موازنة قوة ضد قوة أخرى.
فإذا ظهر حاكم قوي في الشرق،تقرب من منافسه.
وإذا ظهر خطر في اتجاه آخر،بحث عن حليف.
وكانت هذه السياسة ناجحة في أحيان كثيرة.
لكنها كانت تحمل مخاطر ضخمة.
الخلافة العباسية في ذروة استعادتها
مع نهاية القرن السادس وبداية السابع الهجري، كانت بغداد قد أصبحت مختلفة تمامًا عن بغداد البويهيين.
الخليفة لم يعد مجرد ظل.
ولم تعد السلطة الفعلية بالكامل في يد سلطان أجنبي.
لقد استعادت الخلافة جزءًا مهمًا من استقلالها.
لكنها لم تستعد الإمبراطورية العباسية القديمة.
وهنا تكمن المفارقة.
الناصر أعاد للخلافة هيبتها، لكنه لم يستطع إعادة الزمن إلى الوراء.
فالعالم الإسلامي أصبح متعدد القوى.
والدول المستقلة أصبحت حقيقة.
والخلافة أصبحت مركزًا سياسيًا ودينيًا في العراق أكثر من كونها إمبراطورية عالمية.
ومع ذلك كان الناصر يقترب من آخر اختبار كبير.
اختبار لن يكون أمام جيش بويهي ولا جيش سلجوقي ولا جيش صليبي.
بل أمام قوة قادمة من أعماق آسيا.
قوة ستجتاح العالم الإسلامي بطريقة لم يشهد لها التاريخ مثيلًا.
وكانت بغداد ستقف أمامها ذات يوم.
اسم تلك القوة:
المغول.
وقبل أن يصل المغول إلى أبواب بغداد،كان عليهم أن يعبروا آسيا.
وكان العالم الإسلامي في ذلك الوقت يعيش صراعًا هائلًا مع دولة الخوارزميين.
وسيكون هذا الصراع هو الطريق الذي ستسلكه الجيوش المغولية نحو العراق.
ومن هنا تبدأ واحدة من أكثر القصص مأساوية في تاريخ بغداد .
حين اقترب المغول
من صعود جنكيز خان، إلى سقوط بغداد







