دراسة لنص “الشاهد الأخير” للكاتب أمجد يعقوب..
النص الفائز بالمركز الأول مكرّر في مسابقة ” ورثة السرد “
التي نظمها المنتدى العربي للنقد المعاصر
بقلم: سمية الإسماعيل
القراءة
البناء الدرامي وسلطة الوهم.. “حين يتحوّل الإجماع إلى سجنٍ للحقيقة ” قراءة نقدية في قضية الوجود لـ “الشاهد الأخير”
العنوان بوصفه عتبة دلالية
يحمل العنوان “الشاهد الأخير” وظيفة مزدوجة؛ فهو يحدد الشخصية المحورية من جهة، ويفتح أفقاً تأويلياً يتجاوز معناها الحكائي المباشر من جهة أخرى. فالشاهد ليس مجرد رجل رأى حادثة، بل هو آخر ممثل للفرد في مواجهة منظومة جماعية مصممة على إنتاج حقيقة جاهزة.
وتنبع دلالة كلمة “الأخير” من كونها تشير إلى انقراض الشهادة الفردية أو اقترابها من الزوال. إنه آخر من يرى، وآخر من يقاوم، وآخر من يملك شجاعة المطابقة بين ما حدث فعلاً وما يُقال إنه حدث. وحين يموت في النهاية، لا يموت شخص فحسب، بل تُغلق الجماعة منفذاً أخيراً يمكن أن تتسلل منه الحقيقة.
العنوان، كذلك، يُعيد تشكيل معناه بعد قراءة القصة. ففي البداية يبدو الشاهد الأخير شخصاً يقف ضد ستة شهود، لكن النهاية تكشف أنه الشاهد الأخير بمعنى أعمق؛ إنه الشاهد الوحيد الذي لم يتخلَّ عن فعل الرؤية، حتى عندما صار ثمن الرؤية حياته.
تنهض قصة “الشاهد الأخير” على مفارقة مركزية شديدة الكثافة؛ ” المدينة لا تعاقب الكاذبين، بل تعاقب من يقول الحقيقة وحيداً. ” من هذه المفارقة يؤسس النص عالماً سردياً كابوسياً تُقاس فيه الحقيقة بعدد المؤيدين لا بمطابقتها للواقع، ويُصبح الإجماع أداةً لإلغاء الرؤية الفردية، لا وسيلةً لاكتشاف الصواب.
تطرح القصة تجربة سردية مكثفة تخوض في صراع الوجود بين “الحقيقة الفردية” متمثلة بالشخصيّة الرئيسة و”الإجماع المزيف” المتمثل بأفراد المجتمع، هنا تتجاوز الواقعة الحادثة لتتحول إلى وثيقة فلسفية ورمزيّة تناقش هيمنة القطيع وتزييف الوعي الجمعي. تتخذ المقطوعة السردية من النهر والمحكمة و الطفل/ الطفلة محاور بصرية ودلالية، تُشيِّد من خلالها معماريّتها الفنية التي تسعى لتفكيك مفهوم العدالة والإبصار؛ إذ لا يكتفي بعرض حادثة إنقاذ، بل يحوّلها إلى نموذج دالّ على علاقة السلطة بالجماعة، وعلى قابلية الوعي الإنساني للتشويه حين تُحاصر الحواس الفردية بإملاءات الجماعة. فالقصة لا تسأل فقط “من رأى الحقيقة؟”، بل تسأل، بصورة أعمق “ماذا يحدث للإنسان حين يُجبر على الشك في عينيه؟”
تقنيًا نرى أن القصة تتّبع بناءً هندسياً يقوم على التناظر والعود الأبدي -توازي الدوائر-. تبدأ الأحداث في “يوم ربيعي” على حافة النهر، و عبر مهارة “الاسترجاع الزمني” /Flashback يقوم الكاتب باسترجاع حادثة المحاكمة التي جرت في “صباح يوم شتوي”، قبل أن يعود بنا مجدداً إلى حافة النهر في حاضر النص، لتنتهي عند النهر ذاته بعد أسبوع.
هذا التحول الزمني من الشتاء إلى الربيع لم يأت اعتباطًا ، و لم يكن اختيار الشتاء لواقعة الدهس والربيع لواقعة الغرق عبثياً؛ فالشتاء يرمز لجمود النظام القمعي والقسوة الحاكمة في قاعة القضاء، بينما الربيع يمثل مجيء لحظة الانبعاث والتطهر للمجموع والطلوع من عتمة الشك، حتى وإن كان ثمن هذا الربيع غرق الشاهد.
قدّم لنا النص ما يمكن تسميته توازي الضحية /الطفل والطفلة/ فالحادثة الأولى كانت طفلاً يُدهس بعربة تحت بصر الشاهد ومسمعه، والحادثة الثانية طفلة تصارع الغرق. هذا التكرار النمطي يعكس “ثبات العَمَى الجمعي” واختلاف الشاهد في رد الفعل؛ في الحادثة الأولى اكتفى بشهادة اللسان المقموعة، في حين في الثانية جاوز اللسان إلى “الفعل المطلق” بالقفز في الماء.
يشتغل أمجد يعقوب في نصه على الفلسفة الرمزية والتفكيك النفسي للمفاهيم؛ إذ تقوم القصة على تعرية آليات التزييف والمؤسسات القمعية من خلال التلاعب بالمفاهيم المفصلية، واستحضار الرؤى الفلسفية والنفسية المقاربة.. فما دعاه “مجلس الأصوات” و ما يقوم به من ممارسة ضغط الامتثال الجمعي؛ حيث تجسّد الجملة المفتاحية “فالحقيقة في قانون المدينة لا تُقاس بما حدث فعلاً، وإنما بما اتفق الناس على أنه حدث”، الجوهر الدستوري لهذه المدينة الشمولية. تجد هذه الفكرة مصداقها الفلسفي عند سورين كيركغور الذي أعلن جازماً أن “الجمهور هو الكذب”، إذ يُختزل مفهوم الصواب في القوة العددية لا في الواقع الفعلي. وهذا ما ينبثق متطابقاً أيضًا مع مقولة جون ستيوارت مل في كتابه عن الحرية:
“لو أجمع البشر كلهم عدا شخص واحد، وكان ذلك الشخص يخالفهم الرأي، لما كان إسكات ذلك الشخص أكثر مبرراً من إسكاته للبشرية لو كانت له السلطة”.
و عليه، لم يعد الشاهد يُسأل عما “رأى”، بل عما “رآه الجميع”، تحول الرأي العام إلى القاضي والجلاد، وغدت الحقيقة مجرد “عقد اجتماعي زائف”
أكثر المواضع دلالة في القصة تسمية المحكمة بـ “مجلس الأصوات”. فالمجلس لا يبحث عن الشهادة، بل عن التوافق؛ ولا يهتم بما رآه الشهود، بل بما “رآه الجميع”. وهذه الصياغة تكشف انتقالاً من فعل الرؤية إلى فعل التكرار.
و هنا أيضًا ينبغي التوقف عند الفرق بين السؤالين:
– “ماذا رأيتم؟”
– “ما الذي رآه الجميع؟”
السؤال الأول يفتح المجال لتعدد الشهادات واختلاف زوايا النظر، أما السؤال الثاني فيفترض وجود رؤية واحدة مسبقة ينبغي على الأفراد الالتحاق بها. وهكذا لا يعود الشاهد شاهداً على واقعة، بل يصبح مجرد صوت داخل كتلة.
وحتى الرقم “سبعة” يؤدي وظيفة رمزية؛ فهو يوحي باكتمال العدد، غير أن اكتمال العدد لا يعني اكتمال الحقيقة. فستة شهود يكررون الخطأ، وشاهد واحد يرى الواقع، لكن النظام يمنح الكثرة سلطةً مطلقة. الرقم هنا لا يدل على الحقيقة، بل على آلية إقصائها.
في تقديم الشخصيّة الرئيسة نجد أن النص لم يمنح بطله اسماً، ولم يصف ملامحه، ولم يحدد مهنته أو طبقته الاجتماعية. وهذا الحذف لا يعني فقراً في رسم الشخصية، بل يحوّلها إلى نموذج إنساني عام. إنه “الرجل” الذي قد يكون أي فرد يملك تجربة مختلفة عن السائد، ثم يجد نفسه في مواجهة مؤسسة أو جماعة ترفض اختلافه.
و من خلال هذه الشخصية يحاكم سيكولوجية التحطيم النفسي وصناعة الشك التي تمارسها الأنظمة الشمولية عبر مؤسساتها، هنا كان القضاء إحداها.. و هنا تتدرج مراحل ترويض الشاهد داخل السجن عبر متوالية نفسية دقيقة؛
في الأسبوع الأول “جادل “-إنها مرحلة المقاومة-وهذه الجملة القصيرة تلخص بقاء الثقة بالنفس وبالذاكرة. إنه لا يزال يؤمن بأن ما رآه حقيقة، وأن اللغة قادرة على الدفاع عنها.
وفي الثاني “ضحك “يمكن قراءة الضحك بوصفه مقاومة ساخرة للعبث، أو بوصفه بداية انفصال عن الواقع. فالإنسان حين يعجز عن إقناع الآخرين قد يلجأ إلى الضحك على منظومتهم، لكنه قد يضحك أيضاً لأنه لم يعد يعرف كيف يواجه ما يحدث.
وفي الثالث “صمت ” هنا تنتقل السلطة من الخارج إلى الداخل. لم تعد المدينة بحاجة إلى إجباره على التراجع؛ فقد بدأ القمع يعمل داخل وعيه. ثم تأتي المرآة لتجسد لحظة الانقسام: وقف أمام المرآة وسأل: “هل كنت هناك فعلاً؟”. السؤال موجّه إلى الذات، لكنه في الوقت نفسه نتيجة مباشرة لتكرار الآخرين عبارة: “أنت مخطئ”. إن الجماعة لا تكتفي بتكذيب شهادته، بل تُعيد تشكيل ذاكرته. وهنا يبلغ العنف ذروته؛ لأن أخطر أنواع القمع هو أن يجعل الإنسان يشك في حواسه.
تُقدم هذه المتوالية تطبيقاً أدبياً باهراً لـ “تجارب أش للامتثال النفسي/ Solomon Asch”، والتي أثبتت كيف يُكبح الوعي الفردي بفعل ضغط المجموع المتكرر حتى يصدق الفرد الوهم وتخونه حواسه. في السجن، يعيد الغاسلون تشكيل ذاكرته عبر عبارة قسرية واحدة “أنت مخطئ”، وصولاً إلى أطروحة عالمة النفس إليزابيث لوفتس حول “تشكيل الذاكرة الزائفة”؛ حيث تُمحى التفاصيل الصلبة للواقعة لمصلحة الشك المستدام، فلا يتبقى في الذاكرة سوى فقدان الثقة بالعينين.
و كنوعٍ من التحدّي أو محاولةٍ فردية-قد تكون الأخيرة للوقوف في وجه هستيريا الجماهير و الخروج من دائرة القطيع؛ كانت الـ “القفزة القدرية”.
عند حافة النهر، تهتف الجماهير مشيرة إلى الضفة الخاطئة “هناك… هناك!”، وهو ما يجسد المفهوم النفسي الذي صاغه غوستاف لوبون في سيكولوجية الجماهير حين أكد أن “الجمع لا يعرف البحث عن الحقيقة، بل يبحث عن الأوهام التي لا يستغني عنها”. في هذه اللحظة، عندما يلتقي بصرية البطل بإنكار الجماعة، يأتي القرار: “لكنه هذه المرة لم يمنح الشك أي فرصة لينتصر عليه”. القفز في الماء لم يكن مجرد محاولة إنقاذ، بل هو الفعل الانتحاري الأخير لتأكيد وجود “العين”، والانتصار للذات المتفردة ضد قطعان الوهم.
يتميز النص بلغة سردية مقتصدة، تخلو من الاستعراض اللفظي المفتعل، وتعتمد الانزياح والتقابل البلاغي المكثف. نلحظ اعتماد الكاتب على بعض الطباق والتضاد المفهومي؛ عندما يجعل النص يرتكز على تقابلات حادة تُعمّق الصراع؛ الضفة اليسرى /الجهة الأخرى. يقول الحقيقة وحده/ ما اتفق الناس عليه. حقيقة وحيدة /تشويه الإجماع. نجت/ جرفه التيار. هذه المتقابلات تنشئ توتراً درامياً يظل متصاعداً حتى السطر الأخير. بينما تتجلى الكناية الساطعة في عبارة القاضي “كانت وفاته نتيجة تقدير خاطئ لموضع الخطر”. حيث تتوافق هذه الصياغة مع مفهوم الفيلسوف ميشيل فوكو عن تلازم السلطة مع إنتاج المعرفة أو تزييفها؛ فالسلطة لا تكتفي بقمع الجسد، بل تصوغ “المعنى الرسمي” للموت؛ فـ “الخطر ” في عرف القاضي ليس في الغرق في النهر، بل في “البصر المخالف للإجماع”.
برأيي كان الإيجاز وتكثيف الخاتمة هو “البلاغة الدلالية” الأجمل في النص. فختام النص جاء مدهشاً من حيث الإيقاع والإقفال السردي؛ الصغيرة تنطق بالحقيقة البديهية “كان وحده يعرف” / “لماذا كانوا جميعا يشيرون إلى هناك؟”. فالطفولة هنا -ببراءتها الفطرية- هي الوحيدة القادرة على تعرية العماء الجمعي. ثم تأتي الجملة الأخيرة لتلخص مأساة الوجود: “محتفظاً وحده بالحقيقة التي دفع رجلٌ حياته مرتين… كي يراها”.
المرة الأولى عندما دفع “حياته الاجتماعية والحرة” بالدخول إلى السجن بتهمة “تشويه الإجماع”، والمرة الثانية عندما دفع “حياته الجسدية” بالقفز في النهر ليعيش الحقيقة بحواسّه ويؤكد يقينه.
تنجح القصة في بناء عالم رمزي مكتمل، يمزج بين أدبيات “الواقعية النفسية” و”السرد الفلسفي” القائم على المفارقة. لقد استطاع النص عبر لغة تقريرية صافية وبنية متوازنة أن يقدّم طرحاً نقدياً عميقاً حول ضريبة “البصيرة” في مجتمعات “العمى المنظم”، متوجاً الحقيقة شهيدةً، والراوي شاهداً أخيراً خلد اسمه بالغرق لا بالنجاة.
تكمن القيمة الإنسانية للنص في أنه لا يقدم الحقيقة بوصفها امتلاكاً سهلاً، بل بوصفها مسؤولية قد يكون ثمنها العزلة والسجن والموت. كما تكمن قيمته الفنية في أن رموزه لا تأتي زينة خارجية، بل تنبع من صميم البناء: النهر يوازي الحقيقة، والمرآة توازي الوعي، ومجلس الأصوات يوازي السلطة الجمعية، والطفلة توازي المستقبل الذي يستطيع، ربما، أن يسأل السؤال الذي يخشاه الجميع.
القصة:
الشاهد الأخير
يومٌ ربيعيّ.
الناس مجتمعون عند حافة النهر، وقد امتدت أذرعهم جميعاً نحو الضفة اليسرى، فيما كانت أصواتهم تتعالى وهم يصرخون: “هناك… هناك!”.
استدرجته الأصوات. نظر إلى الجهة التي يشيرون إليها، فلم يرَ شيئاً، ثم لمح بطرف عينه، في الجهة الأخرى من النهر، يداً صغيرة ترتفع ثم تختفي تحت الماء.
لم تكن المدينة تعاقب الكاذبين، كانت تعاقب من يقول الحقيقة وحده.
كل قضية تُحال إلى القضاء تُعرض على ..”مجلس الأصوات”.
الشهود سبعة.
لا يُسألون: “ماذا رأيتم؟”
بل يُسألون سؤالاً واحداً: “ما الذي رآه الجميع؟”.
فالحقيقة في قانون المدينة لا تُقاس بما حدث فعلاً،
وإنما بما اتفق الناس على أنه حدث.
وفي صباح يوم شتوي، دهست عربة طفلاً.
أقرّ ستة شهود أن السائق كان بريئاً،
أما الشاهد السابع فقال:
“إن الطفل كان يسير على الرصيف، وإن العربة هي التي انحرفت واتجهت نحوه”.
ساد الصمت في قاعة المحكمة.
نظر القاضي إليه طويلاً، ثم قال:
— إذن، أنت وحدك رأيت ذلك؟
— نعم.
ابتسم القاضي وأغلق الملف:
— الحقيقة لا تكون وحيدة.
وحكم على الرجل بتهمة.. “تشويه الإجماع”.
دخل السجن، وجعلوا كل من يزوره يردد أمامه الجملة نفسها: “أنت مخطئ”.
في الأسبوع الاول جادل،
وفي الثاني ضحك،
وفي الثالث صمت.
بعد أشهر، وقف أمام المرآة وحدّق في عينيه طويلاً، ثم سأل: “هل كنت هناك فعلاً؟”
مرت السنوات، وخرج من السجن.
لم يعد يذكر ملامح الطفل، ولا لون العربة، ولا وجه السائق.
الشيء الوحيد الذي بقي في ذاكرته… أنه لم يعد يثق بعينيه.
… وها هو الان يقف على حافة النهر.
كلما أشار أحدهم إلى الضفة اليسرى, أحسً ان المسافة بين ما تراه عيناه وما يراه الآخرون تتسع، وفي اللحظة التي التقت عيناه بعيني الطفلة، أغمضهما.
في الظلام عادت إليه قاعة المحكمة وصوت القاضي:
“الحقيقة لا تكون وحيدة”.
فتح عينيه.
لكنه هذه المرة لم يمنح الشك أي فرصة لينتصر عليه.
اقترب من الحافة، وقفز نحو الجهة التي رأى فيها بعينيه.
شقّ الماء وأمسك بالطفلة ودفعها نحو الحافة.
هي… نجت.
اما هو، فقد جرفه التيار.
في اليوم التالي، كتبت الصحف:
“رجل مجهول يغرق في النهر أثناء محاولة إنقاذ طفلة”.
وكتب القاضي في سجل القضية:
“كانت وفاته نتيجة تقدير خاطئ لموضع الخطر”.
بعد أسبوع، عادت الطفلة برفقة أمها إلى حافة النهر، ووقفت عند المكان الذي سقطت فيه، ثم سألت أمها عن الرجل الذي أنقذها.
— لقد مات.
— هل كان يعرف أين كنت؟
— كان وحده يعرف.
— إذن، لماذا كانوا جميعاً يشيرون إلى هناك؟
لم تجد الأم جواباً.
أما النهر، فظلّ يجري بين الضفتين، محتفظاً وحده بالحقيقة التي دفع رجلٌ حياته مرتين… كي يراها.








