المنتصف المميت…
بقلم/ فيفيان سمير
في زاوية ما من مقهى الحياة، حيث تتعانق رائحة القهوة المرة بأصداء الأحزان القديمة، وتتراقص أضواء خافتة على وجوه غارقة في الصمت، تجلس أرواح على مقاعد الانتظار. ليست تنتظر أحدًا قادمًا، بل تنتظر قرارًا يتخاذل عن الحضور، أو زمنًا تأبى قدماه أن تخطو إلى الأمام أو تعود للوراء. هنا، في هذا الفضاء الضيق بين الرحيل والبقاء، تتجلى كلمات محمود درويش كنبوءة تُقرأ على جدران الروح.
حيث قال: “عندما لا تستطيع أن تقترب، ولا أن تبتعد، ولا تستطيع أن تنسى ولا تستطيع أن تتجاوز، فأهلا بك في المنتصف المميت، الذي لا حول لك فيه ولا قوة”.
من بين حروف محمود درويش ينبعث ذلك الألم المُصفى، حين تذوب شخصيتك في منطقة رمادية لا لون لها، تفقد الحياة ألوانها وتعلق في فخ لا تستطيع الهرب منه. ذاك هو “المنتصف المميت“.
يبدو الوقوف في المنتصف للوهلة الأولى ملاذا أمنا، ببراءة طفل يختبئ من عاصفة الخيارات. لكن الحقيقة المرة هي أن هذا المنتصف، قد يكون أرضا قاحلة تهب عليها رياح التيه، وتذريها أعاصير الضياع.
فالوقوف في المنتصف ليس حكمة دائمًا، بل هو غالبًا وهم جميل نخدع به أنفسنا. إنه ذلك المكان الذي تهرب إليه خوفًا من الانحياز؛ فتتبخر فيه الهوية، وتذبل فيه الشخصية، وتضيع فيه البوصلة. تقف هناك في منتصف المشهد، حيث لا تستطيع أن تقترب خوفًا من الاحتراق، ولا أن تبتعد خوفًا من الفقدان، هو اللا انتماء، فتصبح مجرد شاهد ولست بفاعل.
هذا هو التأثير السلبي الأكبر، تحولك إلى كائن هامشي. لا أنت هنا ولا هناك. لا يحسبك أحد صديقًا، ولا يعتبرك الآخر عدوًا. المنتصف يسرق منك فرصة الاختيار، ويحرمك من متعة الالتزام، ومتعة كونك جزء من شيء أكبر. إنه يجعلك مستهلكًا للحياة لا منتجًا لها. لا تعرف طعم الانتصار، لأنك لم تخض المعركة، ولا تشعر بلذة الإنجاز، لأنك لم تكرس نفسك لشيء. يسلبك هذا المكان إرادتك، فيصبح لا حول لك فيه ولا قوة، مجرد ريشة في مهب رياح القهر، تنتظر مصيرًا لا تملكه.
حتى في المشاعر، كما تحدث درويش في لحظة تجل أخرى: “لا أنت بعيد فأنتظرك، ولا أنت قريب فألقاك، ولا أنت لي فيطمئن قلبي، ولا أنا محروم منك لأنساك، أنت في منتصف كل شيء”، المنتصف هو ساحة لإعدام المشاعر، الحب الذي يقف في المنتصف ليس حبًا، الصداقة التي تبقى في المنطقة الرمادية ليست صداقة، بل هي مجرد معرفة عابرة. الإيمان الذي لا ينحاز ليس إيمانًا، بل هو شك مستتر.
المنتصف يجعلك أسير التأجيل. تؤجل قراراتك، تؤجل مشاعرك، تؤجل حياتك. تنتظر اللحظة المثالية التي لن تأتي أبدًا. وتفاجأ في النهاية أن الحياة قد مرت من حولك، وأنك تشيخ مكانك، تحمل نفس الحيرة، تعاني نفس التردد.
نعم، قد يبدو المنتصف مكانًا آمنًا، لكنه في الحقيقة مقبرة لليقين، سجن للطموح والقدرات، موت للإرادة. الحياة الحقيقية تبدأ عندما تختار، عندما تنحاز، عندما تضع قدميك على طريق محدد وتمضي فيه بثقة، حتى لو تعثرت أو سقطت. لأن السقوط على طريق واضح، خير من الوقوف، إلى الأبد، حائرًا في مفترق الطرق، في تعليق مؤلم للحياة، تتنفس دون حياة، تحب دون أمل، تبقى دون هدف. المنتصف هنا هو الوجه الآخر للاستسلام، هو الهزيمة التي ترتدي ثوب الصبر، هو القبول بالألم كخيار وحيد عندما تنغلق كل الأبواب.
ربما يكون هذا المنتصف المميت هو الدرس الأقسى، درس أن بعض المواقف لا تحتمل الحياد، وأن بعض اللحظات تطلب منا أن نختار، إما أن نعيش بكل ما فينا، أو نموت بكل ما علقنا به. فالبقاء في المنتصف هو موت مؤجل، لا يختلف عن الموت الفعلي إلا في توقيته.







