ثياب الاقتصاد… بعيون مصرية
السد العالي… يكتب شهادة وفاة لمبة الجاز
من ظلام الليل إلى نور الكهرباء… حكاية مشروع غيّر وجه الحياة في مصر
بقلم: حسين عبيد
كاتب صحفي وباحث قانوني واقتصادي
لم تكن لمبة الجاز مجرد وسيلة للإضاءة في البيوت المصرية، بل كانت جزءًا من ذاكرة أجيال كاملة؛ ضوء خافت يتراقص على الجدران، ورائحة الجاز تملأ أركان الغرف، وأسر تجتمع حول مصباح صغير لمراجعة دروس الأبناء أو الاستماع إلى حكايات الآباء والأجداد، بينما يفرض الظلام سكونه على الطرق والحقول.
كانت تلك صورة من صور الحياة في مصر، خاصة في القرى التي لم تصل إليها الكهرباء، حيث كان الليل يحد من ساعات العمل والتعلم، وكانت محدودية الطاقة تقف عائقًا أمام كثير من مظاهر التطور.
لكن الأمم لا تبقى أسيرة واقعها، بل تسعى إلى تغييره، وهنا تأتي حكاية السد العالي، أحد أبرز المشروعات القومية في تاريخ مصر الحديث.
السد العالي… حين أصبح النور مشروعًا قوميًّا
لم يكن السد العالي في أسوان مجرد مشروع لتخزين مياه النيل، بل ارتبط بأهداف استراتيجية شملت تنظيم مياه النهر، والحد من أخطار الفيضانات، وتوفير احتياطي مائي لمواجهة فترات الجفاف، وتوليد الكهرباء لدعم التنمية الاقتصادية.
ومع دخول محطة كهرباء السد العالي الخدمة تدريجيًّا خلال ستينيات القرن الماضي، حصلت مصر على مصدر مهم للطاقة الكهرومائية، ساعد في دعم شبكة الكهرباء وتوفير الطاقة اللازمة لتوسيع النشاط الصناعي والخدمي.
وهنا لم تعد الحكاية مجرد توربينات تدور أو مولدات تنتج الكهرباء، بل أصبحت مرتبطة بحياة الإنسان؛ فالكهرباء تعني مصنعًا يعمل، وورشة تتطور، ومدرسًا يواصل عمله بعد غروب الشمس، وأسرة تستطيع أن تقرأ وتتعلم في ظروف أفضل.
من لمبة الجاز إلى أحلام المستقبل
لم تختفِ لمبة الجاز بين يوم وليلة، ولم تصل الكهرباء إلى كل بيت في اللحظة نفسها، بل استغرق توسيع شبكات الكهرباء سنوات طويلة من العمل والاستثمار.
لكن السد العالي كان محطة مهمة في مسيرة التحول، وأسهم في توفير الطاقة اللازمة لدعم قطاعات الإنتاج والخدمات. ومع التوسع في توصيل الكهرباء، تغيرت تفاصيل الحياة اليومية، وأصبح الليل فرصة إضافية للتعلم والعمل، بدلًا من أن يكون نهاية اليوم بالنسبة إلى كثير من الأسر.
ولم يكن هذا التحول نتيجة السد العالي وحده، بل شاركت فيه مشروعات أخرى لتوليد الكهرباء، وتطوير شبكات النقل والتوزيع، والاستثمارات التي تراكمت عبر عقود.
وهنا تظهر حقيقة اقتصادية مهمة: فالمشروعات الكبرى لا تُقاس بأحجامها فقط، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير حقيقي في حياة المواطنين، وفتح فرص جديدة للإنتاج وتحسين مستوى المعيشة.
الاقتصاد ليس أرقامًا فقط
عندما نتحدث عن الاقتصاد، نفكر في معدلات النمو والاستثمارات والصادرات، لكن هناك سؤالًا أكثر قربًا من المواطن: ماذا غيّر المشروع في حياته؟
إن قيمة السد العالي لا تتوقف عند إنتاج الكهرباء، بل تمتد إلى دوره في تنظيم مياه النيل ودعم الزراعة والتنمية. ومع ذلك، فإن القراءة الموضوعية تقتضي الاعتراف بالتحديات والآثار البيئية والاجتماعية التي صاحبت بناءه، وأهمية استمرار تطوير منظومة الطاقة وترشيد استخدام المياه.
فالتنمية الحقيقية ليست الاحتفاء بالإنجازات وحدها، بل تعني أيضًا تقييم النتائج، ومعالجة التحديات، والبناء على ما تحقق لصالح الأجيال القادمة.
شهادة وفاة لمبة الجاز… وشهادة ميلاد لمرحلة جديدة
ربما تحمل عبارة «السد العالي يكتب شهادة وفاة لمبة الجاز» شيئًا من المبالغة الصحفية، لكنها تختصر في صورة إنسانية جانبًا من التحول الذي شهدته مصر؛ انتقالًا من ضوء محدود إلى طاقة فتحت أبوابًا أوسع للعمل والإنتاج والتعلم.
واليوم، لم تعد القضية مجرد توفير الكهرباء، بل أصبحت تتعلق بكفاءة استخدامها، وتكلفة إنتاجها، وتنويع مصادرها، وتوظيفها في الصناعة وزيادة الإنتاج وخلق فرص العمل.
إن السد العالي لم يكن مجرد مشروع لتوليد الكهرباء، بل فصلًا مهمًّا في حكاية مصر مع التنمية. وبين ضوء لمبة الجاز ونور الكهرباء، تتجسد رحلة وطن حاول أن يحوّل موارده الطبيعية إلى قوة تدعم اقتصاده وتحسن حياة أبنائه.
وهكذا، لم تكن شهادة وفاة لمبة الجاز نهاية حكاية مصباح قديم، بل رمزًا لمرحلة جديدة؛ مرحلة تؤكد أن قيمة الاقتصاد الحقيقية لا تظهر في دفاتر الحسابات وحدها، وإنما تظهر أيضًا في حياة الناس، وفي النور الذي يبدد ظلام بيوتهم، ويفتح أمام أبنائهم أبواب المستقبل. رم.








