حين يثقل المتنُ الهوامشَ قراءة في بلاغة الصمت

حين يثقل المتنُ الهوامشَ
قراءة في بلاغة الصمت
✍️هويدة عبد العزيز
من طرائف البشر وعجائب طبائعهم ما يصطدم به المرء في رحلته مع النفس والناس والحياة:
أن يُفسَّر الهدوء والإنصات، في عُرف كثيرين، على أنهما عجز أو خَوَر في العزيمة. وكأن الوجود لا يُعتدُّ به إلا إذا جاء في صوتٍ مدوٍّ، ولا تُرى الحكمة إلا إذا رفعت صوتها فوق الأصوات، ولا يُحسب المرء حاضرًا إلا إذا أكثر من إعلان حضوره.
لقد قضيتُ زمنًا طويلًا، زمنًا لا تُحصيه عقارب الساعات بقدر ما تُحصيه الأسئلة والتحولات الداخلية. كنتُ أمام هذا المخلوق الحائر بين متناقضاته أحصي الصخب عن كثب، وأنصت أكثر مما أتكلم. ولم يكن ذلك رغبة في التواري، ولا عجزًا عن المواجهة، إنما ميلًا إلى التأمل؛ إلى رؤية ما لا يراه المتهافتون على الكلام، عشاق المنابر وأرباب المجالس.
وذاك الطبع الذي يألف التأمل، ويميل إلى مراقبة حركة الحياة ومسرحها الإنساني العجيب، يجد في الصمت نوعًا من الاتساع الداخلي. كأنك تنظر إلى العالم من صومعةٍ راهب، لا تُخمد الحياة فيها الصوت، بل تنقيه .
لكن من طرائف هذه الطبيعة، التي تثير الحفيظة وتدعو إلى ابتسامة ساخرة في آنٍ واحد، أن من يغرقون في لجاجتهم واستعراض مكانتهم، حقيقيةً كانت أم مُدّعاة، لا يملكون في موازينهم خانة لمن لا يلوّح بوجوده. فإذا وجدوا أحدًا يؤثر أدب الإنصات ويرفض مجاراتهم في تلك الحلبة، وصموه بالسذاجة أو الفقر الثقافي أو الإفلاس المعرفي.
إن من أشد ما يكشف زيف خطاب الاستعراض أنهم يفسرون صمت ذوي السجايا الرفيعة على أنه لعثمة فكر أو عجز عن التعبير، بينما يعجزون، بغرورهم، عن إدراك أن كفّ اللسان قد يكون فائضًا من الوعي، لا نقصًا فيه.
تأمل هذا المشهد البشري: نرجسية اجتماعية هشة، لا تحتمل وجهًا لا يصفق لادعاءاتها، ولا تقبل بوجود هدوءٍ لا يعكس صورتها. لذلك تضطرب أمام ذلك الوقار الصامت الذي يمثله إنسان ممتلئ بالحكمة، لكنه يترفّع عن الابتذال.
والأعجب ليست في الحاجة إلى إظهار “عضلات لغوية” لإثبات الذات، بل في هذا التجاسر الفج على من يملكون جوهر الفكر وجمر الإبداع في صمت.
إن الخطيئة الكبرى التي قد نرتكبها في حق أنفسنا، أن نمنح أولئك الغافلين مساحة مجانية لتأويل الوقار على أنه إفلاس. فحين يثقل المتنُ الهوامشَ، يتراجع الصخب كما تتوارى النجوم عند إشراقة الشمس؛ لأن نورًا أشد قد ملأ الأفق، فبهت حضورها دون أن يزول.
إن الصمت الطويل في تاريخ أي أديب أو متأمل ليس أرضًا قاحلة، بل على الأغلب “فترة حضانة” تتشكّل فيها الرؤى على مهل. تأمل صمت غوته الطويل قبل “فاوست”؛ عقود كاملة من التراكم الداخلي، والفيض المعرفي والفلسفي الذي يعمل في العمق.
وحين تبلغ الحفيظة مداها، لا يكون وقتذاك استدعاء اللغة ونثر الحبر نزولًا إلى ساحة المباهاة،إنما فعلًا معرفيًا وأخلاقيًا لإعادة ترتيب المشهد، ووضع النقاط فوق الحروف بوقار. عندها فقط يُدرك أهل الاستعراض أن الصمت كان اختيارًا واعيًا، وأن ما ظنوه سذاجة لم يكن إلا شكلًا آخر من العمق، لكنه أنف الظهور
في غير موضعه.





