شعر و أدب

اعتذارٌ للذاكرة بقلم: زيد الطهراوي

اعتذارٌ للذاكرة بقلم: زيد الطهراوي

اعتذارٌ للذاكرة

بقلم: زيد الطهراوي

 

مِنْ بَدْئِها، والذاكرةُ تخطفُ منّي أفكاري وتبيعُني بالرّخصِ للنسيانِ كتاجرٍ متهوّر. لذلك، فإنّني لا أسمحُ لها بالكتابةِ حين تحملُ فأسَ التخريبِ بأريحية. ولقد شكوتُ هذه المتطفلةَ الملتصقةَ بدقائقِ عمري للحكماءِ والأطباء؛ فنصحوني برياضةٍ تسحبُ الدمَ إلى الدماغِ فتشتعلُ غابةُ الأفكار، وفيتاميناتٍ تُسعدُ الأعصابَ فتبتسمُ على شكلِ استفزازٍ للمعلوماتِ الراكدة.. فتابعتُهم، مع أنَّ النتيجةَ لم تكنْ على ما يرام.

ونصحوني -بعد أن استنفدوا كلَّ نصيحةٍ وإرشاد- بنفسيةٍ رائعة! فزادَ الثقلُ على قلبي، وكادَ أن يمتهنَ مهنةَ الإحباطِ بعد أن كان مولعًا بمهنٍ كثيرة؛ كالمحاولةِ بعد المحاولة، والأملِ الواقعي، ومواجهةِ الدروبِ المغلقةِ بصبر.

فسألتُهم: أين تُباعُ هذه “النفسيةُ الرائعة”؟ وهل ستشتغلُ كالماكينةِ الجيدةِ في وجودِ “الأوفياءِ” الذين ينفثون دلالَهم في وجهي؛ فلا أنا قادرٌ على البعدِ عنهم لأنَّ مصالحَنا مشتركة، ولا أنا قادرٌ على التكيّفِ مع أناشيدِ النشاز؟!

ولستُ أكتبُ عن وجوهٍ محددة، فالإنسانيةُ كلُّها مسرحٌ تتكررُ فيه الأدوار، وقد يكونُ المرءُ في لحظةٍ مجروحًا وفي أخرى جارحًا دون أن يشعر.

فوجدتُ أنَّ الوحدةَ بلسمُ شفاء، وعدوّةٌ للفوضى الخلقيةِ و”الأعدقاء”. وشتّانَ بين إنسانٍ يتعرّضُ لهجماتِ “الأكاسرةِ الأحبةِ” ويضطرُّ أن يرهقَ نفسيّتَه من أجلِ إرضائِهم مع أنَّهم هم المعتدون، وإنسانٍ لا يتكلّفُ المعاملةَ التي تطالُ السماءَ في زركشةِ الألفاظِ بلا مبرر، بل يتصرّفُ بتلقائيةٍ ولا ينتظرُ الإساءةَ وكأنّها برنامجٌ يومي! فالذاكرةُ لا تنهضُ كالحصانِ العنيدِ والقلبُ مأسورٌ بأحزانِ الرفاقِ الطيّبين.

وهنا ينبتُ غصنٌ غريب، ولكنه قمريٌّ وعطريٌّ؛ ينتبهُ إلى الذاكرةِ التي تتعرضُ للسيوفِ فوقَ وريدِها والصخورِ فوقَ صدرِها.. فمن المحالِ أن ألتمسَ منها شدوًا وتحليقًا!

عذرًا أيتها الذاكرة.. فأنتِ بريئةٌ من كلِّ هذي الظنون.

زر الذهاب إلى الأعلى