ردع الفساد الغذائي:
تشريعات حاسمة تُنهي زمن التلاعب بصحة المواطن
بقلم ؛ جمال القاضي
لم يعد الغش الغذائي والتلاعب بمكونات الطعام مجرد مخالفة تجارية تُدار خلف الكواليس أو حيلة جشعة لزيادة هامش الأرباح، بل تحول في سنواته الأخيرة إلى إرهاب صامت يفتك بأجساد الملايين، ويهدد الأمن القومي الغذائي والاستقرار الصحي للشعوب. إن موت الضمائر البشرية لدى ثلة من المضاربين بالصحة العامة جعل من طبق الطعام اليومي حقل تجارب ملغومًا بالسموم والمواد المسرطنة والمكونات المغشوشة رخيصة التكلفة. وحين تصبح صحة الإنسان ساحة للتربح الخسيس والعبث المستمر، تفقد الحياة معناها، ويتعطل الفرد عن أداء دوره الفطري والوجودي في بناء مجتمعه وإعمار الأرض.
إن استمرار هذا العبث بمقدرات الإنسان البدنية والنفسية يضع المشرع وصناع القرار أمام مسؤولية أخلاقية وتاريخية عاجلة؛ إذ إن مواجهة هذه الظاهرة المتفشية لم تعد تحتمل مسكنات الرقابة التقليدية أو اكتفاء الهيئات بالحلول الجزئية، بل تتطلب منظومة تشريعية صارمة وقوانين رادعة تُغلق منافذ التلاعب من الجذور.
لذا نقترح بعض التشريعات القانونية كمنظومة تشريعية:
١- تمويل آلي لمنظومة الفحص (اقتطاع الرسوم الضريبية والجمركية):
تخصيص نسبة مئوية محددة ومقتطعة آليًا من عوائد الضرائب، الرسوم الجمركية، وضريبة الدخل المستحقة على المصانع والمستوردين لصالح “صندوق رقابة جودة الغذاء”. تُوجَّه هذه الموارد المقتطعة فورًا لتغطية تكاليف الفحص المخبري المسبق والشامل تحت إشراف هيئات سلامة الغذاء ووزارة الصحة، مع اشتراط عدم الإفراج عن أي شحنة أو طرح أي منتج في الأسواق إلا بعد صدور شهادة مطابقة نهائية.
٢- البصمة الرقمية والأختام الغائرة والبارزة:
اعتماد تقنيات أختام ميكانيكية ورسوم غير قابلة للتزوير (إما غائرة أو بارزة على العبوات) مع شرائح تتبع ذكية لجميع السلع المستوفية لشروط الجودة؛ مما يقطع الطريق تمامًا أمام عصابات إعادة التدوير، ويمنع تقليد العلامات التجارية الشهيرة أو طرح سلع مقلدة ومجهولة المصدر.
٣- المسؤولية التضامنية والردع الرقابي:
صياغة نص تشريعي يُقر بـ “المسؤولية التضامنية” الجنائية والمدنية؛ بحيث يُحاسب المفتش الرقابي أو الهيئة الموثقة للمنتج جنبًا إلى جنب مع صاحب المصنع أو المستورد في حال تسرب شحنات مغشوشة تحمل أختام الجودة إلى الأسواق، وهو ما يقتلع الفساد الإداري والتواطؤ والمحسوبية من جذورها.
٤- الرقابة المفاجئة والتجريد الضريبي للمطاعم والأغذية الطازجة:
تفعيل الحملات الميدانية غير المعلنة والمباغتة للمطاعم ومنافذ بيع الأغذية والعصائر الطازجة، مع سحب عينات عشوائية بشكل دوري. وفي حال ثبوت التلاعب أو استخدام مكونات فاسدة، تُطبق عقوبات مشددة لا تقتصر على الغرامة المالية، بل تمتد لتصل إلى الإغلاق الفوري، السحب النهائي للترخيص، الشطب من السجل التجاري، وإلغاء الملف الضريبي.
٥- القائمة السوداء والشفافية الرقمية العامة:
تدشين منصة إلكترونية حكومية تُعلن بشفافية مطلقة عن القائمة السوداء للمخالفين، وتتضمن اسم المخالف، طبيعة الجرم الغذائي، اسم المنشأة، وموقعها الجغرافي؛ لتمكين المستهلك من ممارسة حقه الأصيل في المعرفة والحماية، وفرض ردع مجتمعي وشعبي حازم ضد من تسول له نفسه المساس بأمن الناس الصحي.
وأخيرا:
إن صحة المواطن ليست سلعة رخيصة تُطرح في مزادات الجشع، ولا أرضًا مستباحة للعبث والتربح فوق أوجاعها. لقد خلق الله هذا الإنسان ليكرمه ويجعله خليفة في الأرض، يستمد قوته وبقاءه من قُوتٍ طاهرٍ حلال يُعينُه على العبادة، السعي، والعمل الصالح. إن إقرار هذه التشريعات الحاسمة وتفعيلها بلا تهاون هو حائط الصد الأخير لحماية النسل والبدن، وقفل باب الفساد الغذائي للأبد.







